محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
375
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وعليه الحديثُ " وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا " جعل ذلك شرطاً في الإسلام بخلاف المباحِ على الأصل . الرابع : أنَّه أحوطُ إما كُلُّه وإما أكثره فيجب قبولُ الجميع ، لأن تركَ قبولِ الجميع تغليبٌ للنادر على الأكثر ، وهو مثلُ ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو خلاف المعقول ، وقبولُ البعضِ دونَ البعض تحَكُّمٌ . إنما قلنا : أحوطُ ، لأنَّ حديثَهم إن عارض الكتابَ ، أو ما هو أرجحُ ( 1 ) منه مِن حديث الثقات لم يعمل به إذ هو مرجوحٌ ، وإن لم يُعارض ، فالفرضُ أنَّه ورد في مباح يجوز تركُه وفعلُه ، فإن اقتضى التحريمَ ، فالتركُ أحوطُ ، وإن اقتضى الوجوبَ ، فالفعلُ أحوط ، وهذا الوجه يختص بما لم يخصّ العموم المعلوم . الخامس : نحن نعلمُ بالقرائنِ صِدْقَ أكثرِه ، لأنَّ الدواعي إلى الصدق في حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوفِّرَةٌ وهي العلم بما فيه مِن كثرة الثواب الوارد في حفظ العلم وتعليمه ، وبما في كتمه والكذب فيه مِن العقاب ، والصوارفُ منتفية ، لأنَّه ليس في الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهوةٌ ورغبة ، وللأكثرين مثلُ ما في غيره مِن سائر المعاصي المحبوبة بنفسها ، مثل الزنى ، وأكلِ الحرام ، ولا هو من الأكاذيب المؤدِّية إلى ذلك غالباً مثل الشهادة الباطلة في الأموال . ويدل على هذا وجهان : أحدهما : أنَّه ربما مضى عمرُ الفاسق المصرح وما كَذَب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذبةً واحدة متعمِّداً لها ، ولعله لا يمضي له ( 2 ) يوم لم يكذب فيه في مصالح دنياه ، فأما العصيانُ بغيرِ الكذب ، فلا يكاد ينفك .
--> ( 1 ) في ( ب ) : راجح . ( 2 ) ساقطة من ( ب ) .