محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
365
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
فإذا عرفتَ هذا ، فحديثُ المتأولين مِن جملة ما جاء عن الله ورسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مما يظن صحتُه ، ويعتقد تحري رواته في الصدق وأمانتِهم في الرواية ، فوجب الامتثالُ ، وأمِنَّا باتباعهِ من الشقاء والضلال . الحجة السابعة عشرة : قوله تعالى : { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك : 10 ] ذَمَّهُمُ الله تعالى بعدمِ الاستماع ، وهو مطلق في كل ما جاء عن الله تعالى من معلوم ومظنون ، خرج المُجْمَعُ على ردِّه ، وبقي المُخْتَلَفُ فيه إلاَّ ما خصَّه دليل ، وأمثال هذه الآية الكريمة كثيرٌ في القرآن الكريم مما ورد في ذَمِّ مَنْ لا يسمع ، ومدحِ المستمعين مثل قوله تعالى : { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [ البقرة : 285 ] وأمثال ذلك . الحجة الثامنة عشرة : قوله تعالى : { خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 63 ] فهذا عام فيما آتانا الله تعالى مِن معلوم ومظنون ، وقد ثبت أنَّه تعالى إذا أمرنا بأمرٍ ، وجبَ علينا منه ما علمنا وما ظننا ، ألا ترى أنَّه يَجِبُ طلبُ الماء للطهور حيث يُعْلَم وحيث يُظن ، ولا يُجزىء الاكتفاءُ بالطلب في المواضع المعلوم وجودُه فيها مع ترك المواضِع المظنون وجوده فيها ، وقد ثبت عنه عليه السَّلامُ أنَّه قال : " إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم " ( 1 ) . فيجب بذلُ الوسع في القُدرة ، ومراتبها ظاهرة ، فيصلي قياماً ثُم قعوداً
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7288 ) في الاعتصام ، ومسلم ( 1337 ) في الحج من حديث أبي هريرة ، ولفظه بتمامه " ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك مَنْ كان قبلكم سؤالُهم واختلافُهُم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء ، فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء ، فأتوا منه ما استطعتم " . وقد توسع الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث في " جامع العلوم والحكم " ص 83 - 92 فراجعه .