محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

36

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

مجتهداً ، ولا يشتهر اجتهادُه إمَّا لخموله واعتمادِ الناسِ على أشهر منه ، وعدمِ حاجتهم إليه ، وإما لرغبته في الخمول وكراهته للفتيا . الوجه الثاني : أن الظاهرَ خلاف ما ذكر ، لأن شرائطَ الاجتهاد كانت مجتمعة في أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد كان أحفظَ الصحابة على الإطلاق ، وأكثَرَهم حديثاً ( 1 ) ، وقد ذكر البخاريُّ وغيره أن الرُّواةَ عن أبي هريرة كانوا ثمان مئةِ رجلٍ ، وقد ذكرهم علماء الرجال ، وذكر المزي في " تهذيبه " ( 2 ) منهم مَنْ روى عنه في الكتب الستة : الصحيحين ، والسنن الأربع ، فذكر خلقاً كثيراً ، وقد بيَّنا أنَّه لم يكن شرطُ الاجتهاد في زمن الصحابة إلاَّ معرفةَ النصوص ، لأن المرجع بالعربية ، وأصولِ الفقه إلى لسانهم التي فطروا عليها فما الفرق بينَه وبينَ معاذ ، وأبي موسى الأشعري ، فقد ولاهُما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القضاءَ في اليمن ( 3 ) ، وقد روى مالك في " الموطأ " ( 4 ) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال لإِنسان : إنَّك في زمان كثيرٍ فقهاؤه قليل قُرَّاؤُه ، تُحفَظُ فيه حدودُ القرآن ، وتُضيَّعُ حروفُه ، قليل مَنْ يسألُ ، كثير من يُعطِي ، يُطيلُونَ فيه الصلاةَ ، ويَقْصُرونَ فيه الخطبة ، يُبْدُونَ أعمالَهم قبلَ أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه ، كثير قراؤه . . . وساق نقيضَ ما تقدم . فدل على ما ذكرته لك ، بل على أكثر منه ، فإن كثرةَ الفقهاء مع قِلَّةِ القُرَّاء تستلزم بالضرورة فِقه مَنْ لم يقرأ مِن أهل ذلك الزمان لتوفُّر حظِّهم مِن الفهم للمعاني ، وسلامةِ فِطَرِههم الصحيحة من تعبيرات المبتدعة ، ووضع القوانين الفاسدة . فإذا فَقُهَ مَنْ لم يقرأ منهم فما ظنُّك بأبي هُريرة جليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملازم له ؟ ! وما

--> ( 1 ) انظر " سير أعلام النبلاء " 2 / 579 . ( 2 ) " تهذيب الكمال " ورقة 1654 . ( 3 ) تقدم تخريجه في الصفحة 378 من الجزء الأول . ( 4 ) " الموطأ " 1 / 173 ، وانظر شرح الزرقاني 1 / 353 - 354 .