محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
346
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
عمدةَ الإمامِ يحيى بنِ حمزة وأمر مَن سمعها له ، وهي نسخةٌ مسموعة بعناية الإمام المهدي محمد بن المطهر ، وهي في خزانة كتبه مما وقفه لله تعالى ، وفيها كان سماعي . وكان اللائقُ على كلامك ودعواك على أهل البيت أَن يشتهِرَ في بلادهم وممالكهم تحريقُ هذه الكتب ، والضرب الشديد والتعزير لمن قرأ فيها ، وإظهار أنها إنما تترك في الخزائن ليعلم كفرُ
--> = هذه ، فقال : فقد وفى رحمه الله بذلك بحسب اجتهاده ، وبيَّن ما ضعفُه شديدٌ ، ووهنُهُ غير محتمل ، وكاسَرَ عن ما ضعفُهُ خفيف محتمل ، فلا يلزم من سُكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسناً عنده ، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث ، الذي هو في عُرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح ، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء ، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ، ويمشيه مسلم ، وبالعكس ، فهو داخل في أداني مراتب الصحة ، فإنه لو انحطَّ عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ، ولبقي متجاذباً بين الضعف والحسن ، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان ، وذلك نحوٌ من شطر الكتاب ، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ، ورغب عنه الآخر ، ثم يليه ما رغبا عنه ، وكان إسناده جيداً ، سالماً من علة وشذوذ ، ثم ما كان إسناده صالحاً ، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً ، يعضد كل إسنادٍ منهما الآخر ، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه ، فمثل هذا يمشيه أبو داود ، ويسكت عنه غالباً ، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه ، فهذا لا يسكت عنه ، بل يوهنه غالباً ، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته ، والله أعلم . وقال الحافظ ابن حجر : إن قول أبي داود : " فإن كان فيه وهن شديد بينته " يُفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد أنَّه لا يبينه ، ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن إذا اعتضد ، وهذان القسمان كثير في كتابه جداً ، ومنه ما هو ضعيف ، لكن من رواته من لم يجمع على تركه غالباً ، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما نقل ابن مندة عنه أنَّه يُخرِّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، وأنه أقوى من رأي الرجال . وقال الإمام النووي : في " سنن أبي داود " أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنَّه متفق على ضعفها ، والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يبينه ، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد ، فهو حسن ، وإن نص على ضعفه من يعتمد ، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له ، حُكم بضعفه ، ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود . وإنما ذكرت هذه النقول لدحض ما شاع وذاع بين من لا تحقيق عنده من أن ما سكت عنه أبو داود من الحديث ، فهو حسن عنده صالح للاحتجاج .