محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

319

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

نَقَلَةِ أصحاب النَّهروان ( 1 ) وغيرهم ، وكانوا في أمرهم بين راوٍ عنهم ، وعاملٍ على مقتضى الرواية ، وساكتٍ عن الإِنكار ، وذلك يُفيد معنى الإِجماع ، ولأنَّهم لما افترقوا ، لم يختلفوا في أن الكذبَ لا يجوزُ ، بل المعلوم من حالِهِم التشديدُ على مَنْ فعل ما يعتقدون قُبْحَهُ ، أو كذب في شيء من كلامه . ومن ذلك ما رُوي أن الخوارجَ لما نادت قَطَرِيَّ بنَ الفجاءة ( 2 ) من خلفه : يا دابَّة يا دابة ، فالتفت إليهم ، وقال : كفرتُم ، فقالوا : بل كفرت لِكذبك علينا وتكفيرك إيانا ، وما قلنا لك إلاَّ ما قال اللهُ سبحانه : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } [ هود : 6 ] ثم قالُوا له : تُبْ من تكفيرك إيَّانا ، فقال لعُبيدة بن هلال ( 3 ) : ما ترى ؟ قال : إن أقررت بالكفر ، لم يقبلوا توبتَك ، ولكن قُلْ : إنَّما استفهمتكُم ، فقلتُ : أكفرتم ؟ فقالوا : لا ما كفرنا . ثم انصرفوا ، فإذا كان الأمرُ كما ترى ، كان من يقول : من كذب ، كفر ، روايتُه أولى من رواية مَنْ يقول : من كذب

--> = عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة وأربعة عشر حديثاً ، اتَّفق الشيخان له على خمسة ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بأربعة . قُتل في آخر سنة أربع وستين . " سير أعلام النبلاء " 3 / 411 . ( 1 ) بليدة قديمة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي ، وفيها سنة 38 ه‍ كانت وقعة بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وبين الخوارج ، قُتل فيها رأس الخوارج عبد الله بن وهب السبأي وأكثر أصحابه . " العبر " 1 / 44 . ( 2 ) هو الأمير أبو نعامة التميمي المازني ، الفارس المشهور ، رأسُ الخوارج ، خرج زمن ابن الزبير ، وهزم الجيوش ، واستفحل بلاؤه ، وقد كسر جيش الحجاج غير مرة ، وغلب على بلاد فارس ، وله وقائع مشهودة ، وشجاعة نادرة ، وشعر فصيح سائر ، وخُطب بليغة ، وقد استوفي أخبارَه المُبَرّدُ في " الكامل " 3 / 355 وما بعدها ، وقد قُتل سنة تسع وسبعين ه‍ " سير أعلام النبلاء " 4 / 151 - 152 . ( 3 ) هو عُبَيدة بن هلال اليَشكري ، من رؤساء الأزارقة ، وشعرائهم ، وخطبائهم ، كان مع قطري بن الفجاءة ، ثم ولي بعده أمر الخوارج ، قتله سفيانُ بن الأبرد الكلبي سنة ( 77 ) ه‍ في حصن قُومِس بجبالِ طبرستان ، وانظر " البيان والتبيين " للجاحظ 1 / 55 ، و " الاشتقاق " لابن دريد : 343 ، و " الكامل " لابن الأثير 4 / 441 - 443 .