محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
304
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
ويجب العمل قطعاً بظاهر الظن المستفاد بها . قلنا : هذا لا يَصحُّ ، لأنَّه يستلزم أن يَنْصِب اللهُ على الباطل أمارة ظاهرة لكل أحد ، ويوجب على كُلِّ أحد العمل بها ، ويترك الحق بغير أمارة ، وهذا لا يجوز على الله تعالى ، وقد منع العلماء مِن أهون من هذا ، فقالوا في الدليل على أن كل مجتهد مصيب : إنَّه لو لم يكن كذلك لكان قد كلَّفَهُ اللهُ بالحق ، ولم يَنْصِبْ عليه دليلاً ، وذلك يستلزم التكليف بما لا يَعْلَمُ ، وهو لا يجوز على الله ، أو كلَّفه بالخطأ الذي أدى إليه نظرُهُ ، ولا يجوز على الله تعالى التكليفُ بالخطأ ، هذا على القول بأن الحقَّ مع واحد ، وعلى القول بتصويب الجميع يلزم تجويز أن يتْرُكَ الله الحق بغير دلالة ولا أمارة ، ولا يُكلف به أحداً ، وهذا يناقض كونه حقاً ، والفرض أنه حق هذا خُلف . الإشكال الثالث : أن نقول : هل كونُهُ راجحاً معلومٌ بالضرورة أو بالدلالة ؟ وكلاهما باطل ، فما استلزمهما ، فهو باطل ، وبيانُ الملازمة ظاهر ، وبيان بطلان القسمين أن نقول : لا يجوز أن يكونَ رجحانُ ردِّ المتأولين معلوماً بالضرورة ، لأن العقلاء مشتركون في العلم بالضروريات ، والمجيزون لقبول المتأولين خلقٌ كثير من الأئمة والعلماء والفقهاء لا يجوز تواطُؤُهُم على محض البَهْتِ ، وصريحِ المعاندة ، وهم منكرون للعلم برُجحان ردِّ المتأولين ، فثبت أنَّه لو كان ضرورياً ، لعلموه ، لكنه قد ثبت أنهم لم يعلموه ، فثبت أنَّه غيرُ ضروري ، وأما أنَّه لا يجوز أن يكون الرجحان معلوماً بالدلالة ، فلأنَّ الرجحان هو الظن ، وثبوت الظن في القلوب ، وانتفاؤه عنها من الأمور الوجدانية كالجوع والألم وغير ذلك ، وليس في الأدلة ما يُوجب العلمَ الاستدلالي بالأمور الوجدانية ، وإنما يصِحُّ