محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
29
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
قلتُ : لم يذهبْ إلى ذلكَ ، ولكنَّ القومَ كان أكثرُ هِمَمِهِم ( 1 ) عاكفة على العملِ ، وكان التشاغلُ بشيءٍ من العلم لا يُعمَلُ به تكلفاً ( 2 ) عندهم ، لأنَّ الآية مسوقةٌ في الامتنان على الإنسان بمطعمِهِ ، واستدعاءِ شكره ، وقد عُلِمَ مِن فحوى الآية أن " الأبَّ " بعضُ ما أنبتَه الله للإنسانِ متاعاً له ولأنعامه ، فعليكَ بما هُوَ أهَمُّ مِن النهوضِ بالشُّكرِ لله تعالى على ما يتبين لك ، ولم يُشْكِلْ مما عدَّدَ مِنْ نِعَمِه ، ولا تتشاغَلْ عنه بطلبِ معنى " الأبِّ " ومعرفةِ النبات الخاص الذي هو اسمٌ له ، وَاكْتَفِ بالمعرفة بجملته إلى أن يتبيَّنَ لكَ في غير هذا الوقت ، ثم وصَّى الناسَ بأن يُجْرُوا على هذا السَّنَنِ في ما اشتبه ذلِكَ مِن مشكلاتِ القرآن . انتهي كلام العلامة رحمه الله . وفيه شهادة لما ذكرتُ مِن مفارقتهم لما عليه الناسُ في هذا الزمانِ من رسوم القُرَّاءِ ، وَعَوَائِدِ العلماء ، وعدمِ الحِرْصِ على حفظ كثيرٍ من العلم قَبْلَ مسيسِ الحاجةِ إلى معرفته ، والاكتفاء بالقليل فيما يُحتاجُ إليه ، وهذا معاذُ بنُ جبل اجتهد في أوَّلِ الإِسلامِ قبل أن يشتهِرَ عنه أنَّه تعرَّض لجمعِ أحاديثِ الأحكام ، ومن المعلوم أن معاذاً لم يكن يَحْفَظُ في تلك المُدَّةِ من أحاديث الأحكام مثلَ ما في كتابٍ من هذه الكُتُبِ التي يَشْتَمِلُ الواحدُ منها على أزيدَ من عشرة آلاف حديثٍ ، فقد عاش معاذُ بعدَ أن أَذِنَ له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الاجتهاد والقضاء زماناً في حياة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبعدَ وفاتِه وهو في خلال ذلك يَحْكُمُ ويُفتي ويروي ، فقد كان أفقهَ الصحابة بالنصِّ النبوي ( 3 ) ، ومع ذلك فلم تزد مروياتُه على مئة وسبعة وخمسين حديثاً ( 4 ) .
--> ( 1 ) المثبت من ( ش ) وباقي الأصول : همهم . ( 2 ) في ( 1 ) و ( ب ) و ( ج ) و ( ش ) : تكلف . ( 3 ) وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : " وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ " أخرجه أحمد 3 / 184 و 281 ، والترمذي ( 3793 ) وابن ماجة ( 154 ) من حديث أنس بن مالك ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وهو كما قال . ( 4 ) حديثه في " مسند أحمد " 5 / 227 - 248 .