محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
285
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
فإن قلت : فما مثالُ قياس السَّيِّدِ الأول في الأقيسة الغِلاطية المركبة بالتراكيب المنطقية ، أهو مثلُ هذا القياس الذي فرغنا منه أم هو نوع آخر ؟ قلتُ : بل هو نوع آخر ، وذلك أن وجهَ المغالطة في هذا الذي فرغنا منه مصاحبةُ الحق والباطل ، وتقاربها في اللفظ الطارق لسمع الأبْلَهِ الغافل ، وأما ذاك ، فهو مِن قبيل الباطل المشابه للحق في بعض الأمور غير المصاحب للحق ، وذلك أنَّه نَسَبَ إلى الجبرية أنَّهم يعتَقِدُون أنَّه يجوزُ على الله تعالى العقابُ على الحسن ، والثوابُ على القبيح ، ونسبة هذا إلى اعتقادهم باطلة محضة لم تُصاحب شيئاً من الحق ، ولكن فيها شبه بعيدُ منه ، وذلك أن هذا يلزمُهُم على بعض قواعدهم ، ولما كان يلزمهم ذلك شبهة في نسبته إليهم ، وذلك أنَّه يُوجب أن بينهم وبينَ هذا القول ملابسة ، ومثال ذلك في الأقيسة الغِلاطية المنطقية قول القائل : كل زَرَافَةٍ فرس ، وكل فَرَسٍ صاهل ، لينتج أن كُلَّ زرافة صاهل ، فالمقدمةُ الأولى هي قولُه : كل زرافة فرس باطل محض لم تَصْحبْ شيئاً من الحق ، لكن بين الزرافة والفرس شَبَهٌ بعيدٌ يجري المغالط على الطمع في الاستنتاج مِن ذلك ، وذلك الشبه هو أن رأسَ الزَّرافَةِ مثلُ رأسِ الفرس ، فلما كانَ بينهما ملابسة ما كان قولُه : كلُّ زرافة فرس من الباطل الذي أَخذَ من الحق شبهاً ما ، فَصَلُحَ إيرادُه في الأقيسة الغِلاطية . فهذا وأمثالُه كثيرُ الوقوع في الأقيسة والمناظرات ، ونقَّادُ النظر يُمَيِّزُونَ الخالصَ من الزيف ، والخبيث مِن الطيب . وقوله : فإن قالوا هذا من جِهة العقل ، لكن قد وَرَدَ السمعُ بأنه يدخل المطيعُ الجنةَ ، والعاصي النار إلى آخره ، إشارة منه إلى مذهبهم المعلوم ، وتعرض لمحاولة إبطاله .