محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

269

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

يغْفِرُ لأهل التوحيد بسَعَةِ كرمه ورحمته مِن غير تكذيب للوعيد ، ولكن لما ورد في السمع مما ظاهرُه ذلك ( 1 ) فقال بذلك على سبيلِ الإيمان بالسمع من غير جُرأة على المعاصي ، فلم يَردْ نصٌّ في كتاب الله تعالى ، ولا في سُنَّةِ رسول الله أن مَنْ حافظ على الواجبات ، واجتنب المحرمات ، وعُرِفَ بالصِّدْقِ والأمانة ، فإنه إذا اعتقد أن الله يَغْفِرُ لأهل التوحيد لشبهةٍ اعتقدها في ذلك ، فإنها تُرَدُّ شهادته ، ولا تُقبل روايتُه . الوجه الخامس : أن مجرَّدَ اعتقاد أن الله يتفضَّلُ بمغفرة الذنوب ( 2 ) من غير أن يجب عليه ذلك بالتوبةِ ، وتكفير الصغائر ليس مما يدُلُّ على كذب من اعتقد ذلك . ولو أن عبداً من عبيد المخلوقين اعتقد في سيِّدِه أنه في غاية الكرم والحِلْمِ والمسامحة من غير وجوب عليه لم يدُلُّ ذلك على أن جميعَ مَا رَوَى عن سيده ، فإنه كذب ، وجميعُ ما أمره به سيده ، فإنه يعصيه فيه ، بل قد يكونُ هذا العبد في غاية الإجلال له والطاعة مع اعتقاده لحلمه وكرمه رغبةً منه في محبة سيده ، واستجلاباً لخيراته أو ( 3 ) محبة منه لسيده ، وشكراً له على نعمائه ، وكذلك عَمَلُ الناس مع إخوانهم وأهل الحِلم والكرم مِن أقاربهم ، فلم يكن قرابةُ الأحنفِ وعشيرته يكذِبُونَ عليه ، ويَعُقُّونَ رَحِمَه لأجل حِلمه ، ولو كان لأحدنا صديق في غاية الحِلم والكرم بحيث يعرف أنَّه لا يؤاخِذُنَا ، لم يكذب عليه ويَعُقَّه ، ويجعل ذلك عادةً مستمرة ، بل قد يزيدُه حلْمُهُ وكَرَمه رغبةً في طاعته ، وزيادة في محبته ، وكم من مَهيبٍ يُعصى وتُحتمل عقوبته لأجل بغضه ، ومساوىء

--> ( 1 ) في ( ب ) : يقتضي ذلك . ( 2 ) في ( ب ) : بالمغفرة للذنوب . ( 3 ) في ( ب ) : و .