محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
263
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
المعتزلة : لا تَصِحُّ العبادةُ بقصد دفعِ العقاب ، وطلبِ الثواب ، فكيف يقال : من لم يخف ، قال الزورَ ، وارتكب الفجورَ ؟ ! هذا كلامُ مَنْ لم يتأمل ، فقد علمنا بالضرورة أن في المرجئة عُبَّاداً خاشعين ، ورُهباناً خائفين مشفقين حزناً ، باكين صائمين قائمين ، وكثيرٌ منا إذا نظرتَ أخَسُّ منهم في الأحوال لا في العقيدة وللهِ الحمد ، وذلك لأن مَنْ صبر على مشاقِّ الطاعات ، وتركِ الشهوات من غير خوف العذاب ، فهو شريفُ النفس ، حُرُّ الطبيعة ، عزيزُ الهِمَّةِ ، عظيمُ المروءة ، كثيرُ الأنفة مِن دناءة المعاصي ، شديد الحياء من الله تعالى ، ومن لا يقومُ إلى الطاعة حتى
--> = وسؤالهم ، والثناء عليهم بخوفهم من النار ورجائهم للجنة ، فقد قال تعالى في حق خواص عباده { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } وقال عن أنبيائه ورسله { وزكريا إذ نادى ربه . . . . إلى أن قال { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين } أي : رغباً فيما عندنا ، ورهباً من عذابنا ، والضمير في قوله { إنهم } عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين ، وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه ، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم ، وجعل منها استعاذتهم به من النار ، فقال تعالى { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( 65 ) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } وأخبر عنهم أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار ، فقال تعالى : { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فجعلوا أعظم وسائلهم إليه وسيلة الإيمان ، وأن ينجيهم من النار . وقال عن خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - { وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } فسأل الله الجنة ، واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث . وفي السنة الصحيحة نصوص كثيرة فيها الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها ، والاستعاذة من النار ، والخوف منها . وقالوا : كيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولاً ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرض عليه ، ويقول : " من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية " و " من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة " و " من كسا مسلماً على عري كساه الله من حلل الجنة " و " عائد المريض في خرفة الجنة " والحديث مملوء من ذلك ، أفتراه يحرض المؤمنين على مطب معلول ناقص ، ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه . . . .