محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

258

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

المذاهب مناديةٌ نداءً صريحاً أنهم فهموا أن العلة في اشتراطِ العدالةِ في الشاهد والرَّاوي والحاكم : هو الظن ، ولهذا لا تشترط العدالةُ حيث يكون الداعي طبيعيّاً ، كالمُقِرِّ على نفسه . وقد تُخَصَّصُ العلةُ كما هو شأنُ كثيرٍ من العلل الشرعية بخلاف العلل العقلية . إذا عرفت هذه الشهرةَ العظيمةَ في التعليل بالظن ، فاعلم أنَّ التعليلَ بالمنصب الذي ذهب إليه السَيِّد وقواه على هذا على العكسِ مِن ذلك في عدم الشهرة ، وقِلَّةِ ذكر العلماء له ، وتفريعهم عليه ، فعدولُ السَّيِّد من هذا المستفيض المشهور إلى ذلك النادِرِ المغمورِ مما لا يَصِحُّ في مِثْلِه أن يدعي أن المسألة قطعيةٌ ، وُيشَنِّعَ على مخالفه بذلك . قال : ولأنَّ المُجْبِرَةَ والمُرْجِئَةَ لا يرتدِعون عن الكذب وغيره من المعاصي ، أمَّا المُرْجِئَة فعندَهم : أنَّهم مؤمنونَ ، وأنَّ اللهَ لا يُدْخِلُ النارَ مَنْ في قلبه مثقالُ حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمان وإنْ زنى وإن سرقَ ، وإن قَتَلَ ( 1 ) ، والكذب أخفُّ مِن ذلك .

--> ( 1 ) جاء في " فيض الباري " للعلامة الشيخ أنور الكشميري 1 / 53 - 54 ما نصه : الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء : اعتقاد وقول وعمل ، وقد مر الكلام على الأولين أي التصديق والإقرار - وبقي العمل : هل هو جزء للإيمان أم لا ؟ فالمذاهب فيه أربعة : - قال الخوارج والمعتزلة : إن الأعمال أجزاء للإيمان ، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما . ثم اختلفوا ، فالخوارج أخرجوه عن الإِيمان . وأدخلوه في الكفر ، والمعتزلة لم يدخلوه في الكفر ، بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين . والثالث : مذهب المرجئة ، فقالوا : لا حاجة إلى العمل ، ومدار النجاة هو التصديق فقط ، فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض . والرابع : مذهب أهل السنة والجماعة ، وهم بين بين ، فقالوا : إن الأعمال أيضاً لا بُدَّ منها ، لكن تاركها مفسق لا مكفر ، فلم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة ولم يهونوا أمرها كالمرجئة . ثم هؤلاء - أي أهل السنة - افترقوا فرقتين ، فأكثر المحدثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال ، وإمامنا الأعظم رحمه الله تعالى وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة =