محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

190

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

مقصود قطعاً ، إذ كان المجاهدُ حين يهوي إلى الكافر ليطعنه ، أو يضرِبَه ، أو يقتله قد مال إليه كميل الإناء أو أشد ، ولكن لمضرته ، وإنما المحرم الميلُ المجازي ، ولا بدَّ من مخالفته للميل الحقيقي ، كما أن الأسد المجازي يُخالِفُ الأسدَ الحقيقي . وقد قال العلامة أبو حيَّان الأندلسي إمامُ اللغة والعربية والتفسير ( 1 ) : إِن معناها : ولا تطمئِنُّوا ( 2 ) ، فجعل المجازَ المشبه بالميلِ الحقيقي هو الطمأنينة ، ولا يمنعُ منه قولُه : { شَيْئًا قَلِيلًا } لأن الطمأنينة يُوصَف قليلُها بالقلة ، وكثيرُها بالكثرة ، لأن القِلة والكثرةَ أمران عُرفيان إضافيان ، وليسا ذَاتِييْنِ حقيقيين ، يُوضِّحه أنَّه يصِحُّ أن تقول : ولا تطمئنوا إليهم شيئاً قليلاً ، كما يَصِحُّ أن تقول : ولا تطمئنوا إليهم كثيراً . والتحقيق : أن الرمخشري ذكر أصلَ الركونِ في الوضع اللغوي مبالغةً في البحث والزجر ، وأبا حيان ذكر المعنى العُرفي المستعمل السابق إلى الأفهام فيما نقلت إليه هذه اللفظة ، ولا شَكَّ في تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية كما ذكروه في الدابة والقارورة ولا يَشُكُّ منصفٌ أن ( 3 ) الركونَ اللغوي الذي ذكره الزمخشري غيرُ مراد ، وأن حقيقتَه في ميل جسومنا إلى جسومهم ، وأن كلام أبي حيان معروف ، وأن الركونَ إلى القوم صار في العُرف بمعنى السكون إليهم ، والطمأنينة بهم ، وفي ترك هذا المعنى وسائر أقوال المفسرين مِن الصحابة والتابعين ، والاقتصار على أصل الوضع تضييعٌ للتفسير ، ومجانبةٌ للتحقيق ، فتأمل ذلك . والله أعلم .

--> ( 1 ) لفظ " والتفسير " ساقط من ( ب ) . ( 2 ) لم يذكره في تفسيره 5 / 269 ، ولعله في " الغريب " . ( 3 ) في ( ب ) : في أن .