فوزي آل سيف

78

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

وقد مر بنا في المقالات السابقة جانباً من حمايته له ودفاعه عنه وتعريض نفسه للمواجهة، ومن ثم للمحاصرة والجوع والعطش والمقاطعة حتى قضى نحبه متأثراً وهو في تلك السن بالتعب والجوع والعطش والمرض! وتحمل الحصار جوعاً وعطشاً مدة تزيد على ألف يوم من الزمان من أجل رسول الله صلى الله عليه وآله. هذا بالإضافة إلى أمره أبناءه بالإيمان بالنبي والكون في ركابه!. حتى لقد كان في نظر قريش هو الممثل لرسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أرادوا التفاوض مع النبي جاؤوا لأبي طالب وإذا أرادوا الضغط عليه ضغطوا على أبي طالب وإذا قرروا الحصار كان هو أول المحاصرين، وإذا أراد النبي إيصال رسالة للقرشيين كان أبو طالب! كما يظهر ذلك في قصة الأرضة التي أكلت صحيفتهم. بقي أن نشير إلى الملاحظة الأخيرة وهي أنه لا ينبغي أخذ تقييم الشخص من خلال أعدائه وأعداء أهله، وهذا هو الفخ الذي وقع فيه من وقع - بقصد أو غير قصد - فإننا نلاحظ أن الذين رووا الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله في شأن أبي طالب عليه السلام، كانوا في الغالب في الخط الأموي أو العباسي المصارع والمناهض لأهل البيت عليهم السلام. كذلك الذين وجهوا الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكفار السابقين أو اللاحقين إلى أنها نزلت في أبي طالب! وبالرغم من أن الكثير من علماء مدرسة الخلفاء يعتقدون بإيمان أبي طالب بل لقد ألف الكثير منهم كتباً في ذلك وأثبتوا بالأدلة إيمانه وضعف ما تمسك به أتباع الاتجاه الأموي لإثبات (عدم إيمانه). إلا أن هذا الاتجاه لا يزال حاضراً في الساحة الاسلامية، وتعاطف معه كل من عادى شيعة أهل البيت عليهم السلام ومنهجهم، وتراه ينشط كلما تزايد الصراع الطائفي وينفخ في هذه النار وتجد أحد انعكاساته في تجديد الكتابات في هذا المجال. وقد ناقش هؤلاء العلماء وغيرهم ما حاول الاستدلال به أتباع ذلك الاتجاه، ومن المناسب أن ننقل هنا ما علق به العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي على ما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، وهو يعتمد على الأحاديث الرائجة في أفق الاتجاه ذاك، فضلاً عن كون البلاذري ممن كان يرتع في بلاط المتوكل العباسي ومن بعده، ومن المعلوم كيف كانت عداوة المتوكل الظاهرة للإمام علي عليه السلام حتى عُدّ من النواصب عند الكثير من العلماء، ومن الطبيعي أن من يكون في بلاطه ودائرته لن يتخذ موقفاً ظاهرياً مناسباً من الإمام علي ولا من أبيه ولا من أهل بيته، وعلى أي حال فقد علق المحمودي بشكل سريع على ما جاء في ذلك الكتاب عند حديثه عن أبي طالب، ونحن ننقله بتغيير بعض الصياغة والاختصار أو التوضيح لتتمة البحث: فإن البلاذري[150]بعد أن ذكر شيئا من نصرة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله قال: «لما حضرته الوفاة، عرض النَّبِيّ صلى الله عليه وآله عَلَيْهِ قول: لا إله إلا الله فأبى أن يقولها وقال: يا ابن أخي. إنِّي لأعلم أنك لا تَقُولُ إلا حقا، ولكني أكره مخالفة دين عبد المطلب، وأن يتحدث نساء قريش بأني جزعت عند الموت ففارقت ما كانَ عَلَيْهِ. فمات عَلى تِلْكَ الحال. وأتى عليٌّ (النبي) فأخبره بموته فقال: وارِه فقال عَليّ أنا أواريه وهو كافر قالَ: فمن يواريه إذا؟ فلما واراه أمَرهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فاغتسل، وقالَ (رَسُولُ اللَّهِ) صلى الله عليه وآله حين رأى جنازته: [وصلتك رحم].

--> 150  أنساب الأشراف 2/ 24.