فوزي آل سيف
55
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
وأطلقت قريش آخر سهم في كنانتها، المساومة، بعد أن فشلت المناوأة. - يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالفك دينك[106]ودين آبائك. وفرّق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل. كان بريق النجاح يطلّ من عيون القادمين إلى أبي طالب وهي تلتقي، فما هي إلاّ ساعة من النهار حتى يحتفلوا بنخب قتل الرسول صلى الله عليه وآله، إذ لم يكن يخالجهم أدنى شك في سرعة قبول أبي طالب. جواب أبي طالب كان صفعة عنيفة لخيالاتهم، وهدماً لهيكل أمانيهم: والله لبئس ما تسومونني!! أتعطونني ابنكم اغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه!! هذا والله ما لا يكون أبداً! وكان نتيجة ذلك المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة فقد اجتمعت قريش على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا يبيعوا منهم شيئاً ولا يتبايعوا ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله للقتل، ويخلوا بينهم وبينه. وهكذا غدا شيخ الأبطح سجين الشِّعب يشرب الماء الآسن ويأكل ورق الشجر تمرّ الأيام والحصار يشتد يوماً بعد يوم، والجوع يفتك بالصبية، والصيف والعطش يجهد الكبار، وما كان يرسله بعض القرشيين من المنصفين في جوف الليل من جمال محملة بالطعام لم يكن ليسد جوع الأفواه ولا يروي غليل عطشها، وأبو طالب يتحمل ذلك كله في سبيل الدفاع عن دين الله وحياطة رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يزداد في اللأواء إلاّ بصيرة في دينه. كان يوم.. يقبل فيه الرسول على أبي طالب، وليسر إليه من بين الجمع بكلمات، فيبتسم أبو طالب: - يا ابن أخي! أربك أخبرك بهذا؟! - نعم. قال النبي صلى الله عليه وآله. - والثواقبِ ما كذبتني قط. * * *
--> 106 يظهر من هذه الجملة الأداء الرائع من قبل أبي طالب لدوره المتمثل في إخفاء الإيمان وإظهار الشرك، بحيث لم يشكوا في خلاف النبي لمعتقدات أبي طالب.