فوزي آل سيف
47
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم هذه مقالات ثلاث حول أبي طالب بين الأولى والتي نشرت في كتاب رجال حول أهل البيت عليهم السلام، وبين الثانية والثالثة واللتين لم تنشرا حتى الآن ما يقرب من 28 سنة، ولا يزال نفس الهمِّ والهاجس، ولا يزال نفس الخط الذي كان لقرون يبث في الناس فكرة (كفر) أبي طالب عليه السلام، يجهد من أجل إقناع الأمة بباطله، مع أنه بحسب الظاهر لا ينفعهم إثبات كفره شيئاً! وبنفس المقدار الذي يجهد أولئك فيه أنفسهم في ذلك الاتجاه، يسعى شيعة علي بن أبي طالب بل ومحبوه من غير شيعة أهل البيت لبيان مواضع العظمة والتأسي والاقتداء بالتالي في حياة بطل الصحابة وشيخهم وحامي الدعوة والسابق إلى تصديق الرسول أبي الوصي وعم النبي، ونسأل الله أن يعطي كلاً على جهده، وأن يحشره مع من يحب فهذه دعوة إنصاف، إننا في نفس الوقت الذي نسأل الله لنا أن نحشر بجوار علي وأبيه أبي طالب، نسأل الله لأولئك أن يحشروا في صف أعداء أبي طالب وابنه. أقدمها مقرونة بمقالات كتبت عن الصدِّيقة الكاملة خديجة بنت خويلد، جمعهما كون هاتين الشخصيتين شكلتا معا حصن الاسلام الحامي في أول تشكله وبنائه وأوان ضعفه، فإنه إذا كان {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} وإن كان {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[99].. هذه الميزة الزمنية جعلت المنفقين والمقاتلين قبل الفتح أفضل وأعظم درجة، مع أن الدين في ذلك الوقت–قبل الفتح–بأي معنى من المعاني التي قيلت فيه، كان قد قام على سوقه وبنى له دولة وجمع المسلمين فيها، وانتصر على المجتمعات المحلية القريبة من قريش واليهود، وأصبح مهاباً ومرهوب الجانب، ومع ذلك فهو بالقياس إلى ما بعد الفتح كان أضعف! فكيف إذا كانت المرحلة الزمنية هي التي عاش فيها هذان المؤمنان والركنان العظيمان للدين؟! هي بداية البعثة وشهدا السنوات العشر الأولى التي كان فيها الاسلام ضعيفاً والمسلمون مطاردين والرسول المصطفى محل أذى المشركين؟ هنا يكون الانفاق بأضعافه المضاعفة، وتكون الكلمة المناصرة سيفاً ماضيًا، والاحتضان والدفاع معركة فاصلة، وهذا ما قام به أبو طالب بن عبد المطلب وخديجة بنت خويلد عليهما السلام. مع ملاحظة هذه الظروف من جهة، وملاحظة جهود أبي طالب نرى التوصيف الذي قدمه أهل البيت عليهم السلام عن أبي طالب بأنه مثل أهل الكهف أوتي أجره مرتين أو أنه لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم، أو أن نور أبي طالب يوم القيامة يطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار.. نجد هذا التوصيف هو الطبيعي وأنه لا محل فيه لأي مبالغة أو تزيّدٍ.
--> 99 سورة الحديد: 10