فوزي آل سيف
15
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
تزامن هذا مع ما قيل من أن أبا طالب كان قد تشاور معه ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، في أمر التجارة والكسب والمعاش، فذكر أمر خديجة وثروتها وأنها تستقبل من يعمل معها في التجارة على طريقة المضاربة، حيث يكون المال منها والعمل من المشارك «وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه ومقدماته» فكان[28] أن تم الاتفاق على أن يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله إلى الشام بتجارة لها، ويكون الربح بينهما، وجعلت تحت يده مدبر أموالها ميسرة وتحت أمره العاملون في تلك التجارة. ولما رجع النبي من رحلته التجارية الشامية وقد ربح ربحا جيداً، لم يكن هَمُّ خديجة في ربح المال بقدر ما كان يهمها معرفة أحوال النبي من خلال ميسرة غلامها الذي شرح لها ما كانت تنتظره وتستطيبه من ذكر صفاته وأخلاق معاشرته مع الناس، وإدارة أمور التجارة، وأضاف إليها ما رأى من الكرامات والفضائل التي خصه الله بها من تظليله بالغمام في حر الشمس، وغير ذلك. عندها خطت الخطوة الثانية وهي أن (تخطب) النبي محمداً لنفسها!! بلى رغبتها فيه واشتياقها إلى الاقتران به جعلها تفعل ذلك، وصوبت حكمتها وكمال عقلها هذا الأمر فلا ينبغي أن تترك هذه الفرصة، الاقتران بسيد الخلائق والنبي الذي بشر به المرسلون السابقون، تترك ذلك لأجل بعض الأعراف الاجتماعية الخاطئة التي قد تبيح للمرأة الخاطئة أن تنشئ علاقة غير مشروعة مع رجل وتتغاضى عن ذلك، بينما ترفض أن تنشئ امرأة مقدمات الزواج المحلل مع رجل كسيد الخلق!!. ولأجل هذا فقد ذكرت الأمر لامرأة كانت تدخل عليها وتختصها وهي نفيسة بنت منية، ولنتركها تتحدث عن هذه المهمة، قالت: «كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال. فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام؛ فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به! قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة! قال: وكيف لي بذلك؟! قالت: قلت عليِّ! قال فأنا أفعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائتِ لساعة كذا وكذا..»[29].
--> 29 المصدر السابق 1/ 131 . 28 ابن سعد؛ الطبقات الكبرى 8/ 12» أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَسْأَلُهُ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَتِهَا مَعَ غُلامِهَا مَيْسَرَةَ وَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِيكَ ضِعْفَ مَا أُعْطِي قَوْمَكَ”.