فوزي آل سيف
98
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
4/ كان الإمام موسى غريب بغداد![194] فأصبح محورها وقطبها. ومقابر قريش كلها، ستصبح فيما بعد (الكاظمية) ومدينة (الكاظم) لا سواه، وستندثر كل تلك القبور وتنسى كل تلك الجنائز ما عدا جنازة وضعت يوما على جسر بغداد ونودي عليها بنداء الاستخفاف، فكأن ذلك النداء كان البداية لتصبح قطعة من الجنان، ولترتقي في أعالي السماء، وتستقبل تلك البقعة أعلام مدرسة الخلفاء يستشفون بها ويستطعمون موائد الإجابة من الله عندها! هذا فضلا عن أعلام مدرسة الإمامية! وعامتهم الذين (يحجون) بالملايين في المناسبات ولا سيما في مناسبة شهادته عليه السلام حتى لقد أصبح الخامس والعشرين من شهر رجب في كل سنة هجرية عاشوراء جديدة، وهي تحولت إلى كربلاء أخرى! كأنّ تلك المدرسة التي خذلت في حينه إمامها أرادت أن تكفر عن ذلك في مواقف أحفادها، فها هم يقولون مؤكدين على علو منزلة كاظم الغيظ ذي الساق المرضوض بحلق القيود وذي الجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف، لقد مضى كذب السلطة العباسية أدراج الرياح، كما ذهب الخلفاء أولئك إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم! وقد نُقل عن أعلام مدرسة الخلفاء الكثير من الكلمات في شأنه صلوات الله عليه، ننقل بعضها هنا لا لأجل أن نزيده شرفًا فإنه سلام الله عليه يشرف من يقترب منه ويضيء قلب من يستضيء به، وإنما لكي نبين أن أثره لم يقتصر على تحويل الأرض من (مقابر قريش إلى جنة الكاظم) وإنما بالإضافة إلى ذلك أشرق نوره على قلب من لا يعتقد إمامته فأضاء لهم: فقد نقل الدميري في حياة الحيوان أن محمد بن ادريس الشافعي كان يقول: قبر موسى الكاظم الترياق المجرب. ونقل الخطيب البغدادي عن الحسن بن إبراهيم أبي علي الخلال (ت:٢٤٢ ه) وهو أستاذ الدارقطني وابن حبان: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب[195]. وأما محمد بن طلحة الشافعي: (ت 652 ه) فقد قال عنه: «موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن الكبير، المجتهد الجاد في الاجتهاد، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجدًا وقائمًا، ويقطع النهار متصدقًا وصائمًا، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه، دعي كاظمًا، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج إلى الله لنجح مطالب المتوسلين إلى الله تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بأن له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول»[196].
--> 194 موسوعة العذاب لعبود الشالجي: ج 1/13 في سنة 200 أحصى المأمون العباسيين فبلغوا 33 ألفا. أما اليوم فلا توجد سوى أسرتين تنتسبان للعباسيين احداهما في البصرة والأخرى في بغداد! هذا مع أنهم دام حكمهم في العراق ستمائة سنة تقريبًا. 195 الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١/٤٤٢ 196 قد نقل هذه الأقوال عن مصادرها المرحوم العلامة الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام موسى بن جعفر ١/ 178