فوزي آل سيف
90
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
الجانب الاقتصادي من حياة الإمام الكاظم مما أوصى به الإمام موسى بن جعفر بعض ولده: «إياك والكسل والضجر فإنهما يمنعانك من حظ الدنيا والآخرة». بالرغم من وجود أسباب يفترض أنها تحد من حركة الإمام موسى عليه السلام في الاتجاه نحو الكسب والعمل الاقتصادي وطلب الرزق، إلا أننا نلاحظ بشكل واضح حضور هذا الجانب في حياته وحركته. أما تلك الأسباب المانعة فيمكن إيجازها فيما يلي: 1/ إن الإمام عليه السلام له أن يكتفي برزق الله الغيبي، إذ ليس بأقل بل هو أعظم شأناً من مريم بنت عمران التي كان يأتيها رزقها صباحاً ومساءً و{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗا}ومن كان يمتلك مثل هذا ليس بحاجة إلى إجهاد نفسه في طلب الرزق!. 2/ لزوم إبرازه عليه السلام جانب الزهد في الدنيا، حتى يقتدي به أتباعه وعموم المؤمنين في عدم الاعتناء بالدنيا والحرص عليها، ومن أجل ذلك فلا داعي لأن يستنبط الآبار ويستزرع البساتين، لا سيما بالمقدار الذي نقل عنه وأنه استنبط نحو سبعين ما بين عين وبئر. 3/ إنه عليه السلام قرابة رسول الله فهو على ذلك يستحق من سهم القربى في الخمس، إذا احتاج إلى ذلك، كما أنه باعتباره إماماً فإنه يستطيع أن يغني نفسه من الخمس. إلا أننا نجد وعلى خلاف ما سبق تماما أن الإمام عليه السلام كان سعيه في طلب الرزق الحلال وكسب المعاش ملفتا للنظر كمًّا ونوعا كما سيأتي تفصيله، وأما المبررات في ذلك فهي التالية: أولا: قضية القدوة للمؤمنين: ذلك أنه كأنّه يقول لشيعته بل لعموم المؤمنين إن إمامكم والذي يستطيع أن يوفر رزقه بطرق غيبية يسيرة، مع ذلك لا يفعله، ويقول لكم بألا تركنوا إلى الكسل عن أمر المعاش وطلب الحلال، ويوصي بشكل مباشر أحد أولاده، ومن خلاله سائر المؤمنين بالقول «إياك والكسل والضجر، فإنهما يمنعانك حظ الدنيا والآخرة». ثانيا: ما يرتبط بالرؤية العامة للحياة فإن الأئمة عليهم السلام أرادوا أن يواجهوا خط الرهبنة والتصوف والانعزال والتواكل وترك السعي في الأمور الدنيوية، ولعل هذا التوجه كان ولا يزال مسؤولا عن جزء كبير من التخلف الذي حصل في الأمة، وهذا الخط يستعين بالكسل والضجر الموجودين لدى بعض الناس، فإذا ضُم إليهما فلسفة دينية خاطئة، أنتج تخلفا عميقا في الأمة. في مقابل هذا ما نراه من المعصومين في إشاعتهم لخط النشاط والعمل والاقبال على الانتاج والعطاء، ويلخص الحوار الذي دار بين الإمام محمد الباقر عليه السلام وبين محمد بن المنكدر النظرتين المتخالفتين للحياة[182].
--> 182 الطوسي: تهذيب الأحكام 6/ ٣٢٥: ان محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى ان علي بن الحسين عليهما السلام يدع خلفا أفضل من علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي عليهما السلام فأردت ان أعظه فوعظني فقال له أصحابه: باي شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام وكان رجلا بادنا ثقيلا وهو متكئ على غلامين أسودين أو موليين، فقلت في نفسي سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحال في طلب الدنيا أما إنّي لأعظنّه، فدنوت منه فسلمت عليه فرد عليّ بنهر وهو يتصاب عرقا فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحالة ما كنت تصنع؟ فقال: لو جاءني الموت وانا على هذه الحال جاءني وانا في طاعة من طاعات الله عز وجل أكف بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف ان لو جاءني الموت وانا على معصية من معاصي الله عز وجل فقلت: صدقت يرحمك الله أردت ان أعظك فوعظتني.