فوزي آل سيف
9
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
فلما سمعت هذا القول نبل في عيني وعظم في قلبي، فقلت له: جعلت فداك، ممن المعصية؟ فنظر إلي ثم قال: «اجلس حتى أخبرك فجلست فقال: إن المعصية لا بد أن تكون من العبد، أو من ربه، أو منهما جميعًا، فإن كانت من الرب فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر وإليه توجه النهي وله حق الثواب والعقاب، ولذلك وجبت له الجنة والنار.. فلما سمعت ذلك قلت: {ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤}[17]. وفي بعض مصادر مدرسة الخلفاء أن أبا حنيفة قال بعدها: {ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥ}. فالإمام موسى عليه السلام وهو لا يزال (فتى صغير السن) يجيب على البداهة في مسألة عقدية غاية في الدقة وأخرى تفصيلية في الفقه! فكانتا تعريفًا لأبي حنيفة بفضل الإمام موسى وعلمه. بالطبع فإن القسم الثاني من الرواية لم تنقل في مصادر مدرسة الخلفاء لأنها تعارض بعض توجهاتهم العقدية لا سيما تلك المذاهب التي تميل نحو الجبر في أفعال العباد. ويظهر من بعض الروايات أنه لم تكن تلك المحاورة هي الحادثة الوحيدة التي اطلع فيها أبو حنيفة على فضل الإمام موسى، بل إنه في موضع آخر قد سأل أباه جعفرا عليه السلام عن صلاة ابنه، وتعمد الإمام جعفر ألا يجيبه بنفسه وإنما يترك الجواب لابنه موسى، فعن محمّد بن مسلم قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السّلام فقال له: رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه! فقال أبو عبد الله عليه السّلام: ادعوا لي موسى، فقال: يا بُنيّ! إن أبا حنيفة يذكر أنك صليت والناس يمرّون بين يديك فلم تنههم؟ فقال: نعم، إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إليّ منهم يقول الله: ونَحْن أَقْرَب إِلَيْه مِن حَبْل الْوَرِيدِ قال: فضمّه أبو عبد الله عليه السّلام إلى نفسه، وقال: بأبي أنت وأمي يا مستودع الأسرار[18].
--> 17 الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى ٢/٣٠ ونقل الجزء الأول منها ثقة الإسلام الكليني في الكافي 3/ 20 وأكثر من كتب في الفقه في باب التخلي من الإمامية، وكذلك شمس الدين السخاوي في كتاب الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية ٢/٤٨٥ 18 الكليني، الكافي ٣/ ٣٠١ 19 أبو جعفر عبد الله المنصور بن مُحمد بن عَلي بن عبد الله بن العباس بن عَبْد المُطلّب (ولد سنة 95ه ومات 158ه) بويع له بالخلافة سنة 136ه بعد وفاة أخيه أبي العباس السفاح، بوصية أخيهم إبراهيم (الإمام)، عرف بالبخل الشديد حتى لقب بالدوانيقي (والدانق هو أصغر عملة كان يتعامل بها) وبالقسوة المفرطة على مخالفيه، وسيأتي أنه وهو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية قد انسلخ من انتمائه الهاشمي حين تجاهر بالعداوة لبني هاشم، وانتخب طريقا فقهيًّا وعقديًّا غير ما كانوا عليه.. وسيأتي في المتن بعض الاشارة لذلك.