فوزي آل سيف

63

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

محورية العقل في توجيهات الإمام الكاظم في وصية الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر سلام الله عليه لهشام بن الحكم رضوان الله تعالى عليه إنه قال (يا هشام وإنّ الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: {فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨}[130] يا هشام: إنّ الله عزّ وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، وأفضى إليهم بالبيان، ودلّهم على ربوبيته بالأدلاّء، يا هشام: إن الله وعّظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة، فقال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}[131]، يا هشام: ثمّ بيّن أنّ العقل مع العلم، فقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}[132] يا هشام: إن لله حجتين على الخلق حجة ظاهرة وهم الأنبياء وحجة باطنة وهي العقول). نقَل هذه الوصية من وصايا الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم بالإضافة إلى الكليني في الكافي الحسنُ بن شعبة الحراني رضوان الله تعالى عليه المعاصر للشيخ الكليني، وقد توفي في القرن الرابع الهجري في كتابه تحف العقول عن آل الرسول[133]. تكتسب هذه الوصية أهمية من جهات: الأولى: المتكلم الثانية: المخاطَب الثالثة: الظرف الزمني السياسي والاجتماعي الرابعة: مضمون الخطاب والوصية أما الجهة الأولى: فلا حاجة فيها إلى مزيد إيضاح، فإن المتكلم والموصي هنا هو إمام معصوم، من الأئمة الذين أوجب الله طاعتهم، وأكرمهم بعلمه، وجعل فيهم وصية نبيه. وأما الجهة الثانية، وهو المخاطَب والمستمع فهو هشام بن الحكم (الكندي أو الشيباني ولاءً) الكوفي (ت 179ه‍) وهذا ما يعطي الوصية موقعًا متميزًا فإن الحكيم يتكلم مع كل شخص بمقدار تعقله، ويملأ وعاء كل شخص بحسب استيعابه، وهشام بن الحكم يعد في الدرجة الأولى من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. وبالرغم من أنه كان في أول أمره على غير منهج الإمامة متقدما في المعارف العقلية والفلسفية، لكنه ما لبث أن التقى بالإمام جعفر الصادق فغرق في ساحل بحره عليه السلام، وكان مناظِرًا سريع البديهة، متكلمًا حاذقًا، ويكفي في ذلك النظر إلى مناظرته مع عمرو بن عبيد في الإمامة[134] وتقدم في أصحاب الإمام جعفر عليه السلام وورد فيه مدح كثير.

--> 134  الكليني، الكافي 1/ ٢١٧ علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ فقال هشام: يا ابن رسول الله إني أُجلُّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله: إذا أمرتكم بشيء فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك عليَّ فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم إني رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلت له: أَلَك عين؟ فقال يا بني أيُّ شيء هذا من السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلت هكذا مسألتي فقال: يا بني سلْ وان كانت مسألتك حمقاء قلت: أجبني فيه! قال لي: سل. قلت ألك عين؟ قال: نعم قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص، قلت: فلك أنف؟ قال: نعم قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة قلت: أَلك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم، قلت: فلك أذن؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت، قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس، قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة، قال: يا بني إن الجوارح إذا شكّت في شيء شمته أو رأتْه أو ذاقتْه أو سمعتْه، ردّتْه إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك، قال هشام: فقلت له: فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلت له: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إمامًا يصحح لها الصحيح ويتيقن به ما شك فيه! ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إمامًا يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك إمامًا لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل لي شيئًا. ثم التفت إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم؟ فقلت: لا، قال: أمن جلسائه؟ قلت: لا، قال: فمن أين أنت؟ قال: قلت: من أهل الكوفة قال: فأنت إذا هو، ثم ضمني إليه، وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت، قال: فضحك أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا هشام مَنْ علَّمك هذا؟ قلت: شيء منك وألفته، فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. 130  الزمر: 17ـ 18 131  الأنعام: 32 132  العنكبوت: 43 133  يعرب الكتاب كما يرى مترجمو المؤلف عن مستوى مؤلفه وحسن اختياراته، فقد نخل كلمات المعصومين وخطبهم، وانتخب أفضل الخطب والوصايا وكأنه كان يعد برنامجًا تربويا للمؤمن، وجاءت هذه الوصية فيه..