فوزي آل سيف
26
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
2/ سجن الإمام عليه السلام، للمرة الأولى في عصر هارون الرشيد: قد ذكرنا الظروف التي جاء فيها هارون العباسي للسلطة وكان عمره 22 سنة، وقد سبق الحديث عنها وكان الإمام عليه السلام في المدينة المنورة، وفي سنة 179 ه أي بعد نحو تسع سنوات من حكم هارون، وقد جاء فيما قيل في شهر رمضان للعمرة[58] وبعدها قصد المدينة وزار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخاطبه قائلا: «يا رسول الله، إنّي أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر، فإنه يريد التشتيت بين أمتك وسفك دمائها!. ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيّده، واستدعى قبتين فجعله في إحداهما على بغل، وجعل القبة الأخرى على بغل آخر، وخرج البغلان من داره وعليهما القبتان مستورتان، ومع كل واحدة منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبتين على طريق البصرة، والأخرى على طريق الكوفة، وكان أبو الحسن عليه السلام في القبة التي مضي بها على طريق البصرة. وإنما فعل ذلك الرشيد ليعمي على الناس الأمر في شأن أبي الحسن عليه السلام. وأمر القوم الذين كانوا مع قبة أبي الحسن أن يسلموه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور - وكان على البصرة حينئذ[59] - فسلم إليه فحبسه عنده[60] سنة، وكتب إليه الرشيد في دمه، فاستدعى عيسى بن جعفر بعض خاصته وثقاته فاستشارهم فيما كتب به الرشيد، فأشاروا عليه.. بالتوقف عن ذلك والاستعفاء منه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول له: قد طال أمر موسى بن جعفر ومقامه في حبسي، وقد اختبرت حاله ووضعت عليه العيون طول هذه المدة، فما وجدته يفتر عن العبادة، ووضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه فما دعا عليك ولا عليَّ ولا ذكرنا في دعائه بسوء، وما يدعو لنفسه إلا بالمغفرة والرحمة، فإن أنت أنفذت إليّ من يتسلمه مني وإلا خليت سبيله فإنني متحرج من حبسه. وروي: أن بعض عيون عيسى بن جعفر رفع إليه أنه يسمعه كثيرا يقول في دعائه وهو محبوس عنده: «اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد»[61].
--> 58 يركز فقه مدرسة الخلفاء على عمرة شهر رمضان باعتبارها أنها أفضل العمرات. 59 الناظر إلى خريطة الولاة على المناطق والوظائف يصاب بالتحير والدهشة لكثرة التغييرات التي تحصل حتى أن بعض الولايات والولاة لا يستمر لأشهر حتى يعزل ويأتي مكانه آخر وهذا الثاني لا يلبث سوى فترة قصيرة حتى يرجع الأول أو غيره لنفس تلك الوظيفة، وهذا الذي يجعل المؤرخين لتلك الفترات يختلفون فبين من يقول إنه سلمه لعيسى بن جعفر المنصور ابن عمه، وبين من يقول إنه سلم إلى جعفر بن سليمان بن علي أو إلى ولده سليمان بن جعفر.. وكل ذلك كان يتم على أساس التخوف من الاستقواء بالمنصب والتطلع للمعارضة، أو ترغيب البعض في ولاء أكثر للسلطان.. وهكذا. ولك إن أردت معرفة اللعب بالمناصب تلك أن تنظر إلى كتاب تاريخ خليفة بن خياط 378!. 60 القرشي، الشيخ باقر شريف: حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ٢/٤٦٩.. وانما حبسه هارون في بيوت وزرائه، ولم يعتقله في السجون العامة (كالمطبق) وغيره، نظرا لخطورة الإمام عليه السلام وسمو مكانته، وعظم شخصيته فان الشخصيات النابهة كانت لا تعتقل في السجون العامة، فقد سجن عبد الملك ابن صالح لما غضب عليه الرشيد عند الفضل بن الربيع وكذلك سجن إبراهيم بن المهدي عند أحمد بن أبي خالد ولذلك سجن الامام في بيوت الوزراء وكبار رجال الدولة. 61 المفيد، الشيخ محمد بن النعمان: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ٢/٢٤٠