فوزي آل سيف

24

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

يقابل هذا الجانب من التهتك واللعب، جانب آخر من التشدد العنيف فيما سمي بالحرب على الزنادقة[51]، حتى لقد أسس شرطة خاصة بذلك وعين عليهم عسكريا بعنوان صاحب الزنادقة! وكان هذا العنوان واسعا حتى صار أي شخص في عهده يناظر أو يتكلم في الاعتقادات من الممكن أن يتهم بأن عنده زندقة! فيؤخذ ويذبح بل يكفي أحيانا أن امرأة تخبر عنه بما لم تفهمه فيكون في معرض القتل!![52]. فهذا الخليفة عيّن شخصاً اسمه صاحب الزنادقة عمله فقط يذبح هؤلاء وفي هذه الفترة الإمام الكاظم عليه السلام أمر أتباعه وأصحابه أن لا يخوضوا في كلام الإمامة ومناظراتها[53]، فنهى الإمام الكاظم عليه السلام كل أصحابه أن لا يتحدثوا في تلك الفترة بأفكار الإمامة لا فيما يرتبط بقضايا صفات الله عز وجل ولا بقضايا الجبر والاختيار ولا بأمور القضاء والقدر، فضلا عن مسائل الإمامة!. ونحن لا ننكر وجود أفكار إلحادية في المجتمع المسلم لها اسباب كثيرة، منها الامتزاج الثقافي غير المخطط مع إبعاد العلماء العارفين وفي طليعتهم الأئمة والتضييق عليهم، والتناقض الصارخ بين ادعاءات الخلفاء (الخلعاء) وبين ممارساتهم! وغير ذلك من الأسباب. صورة أخرى من التذبذب في شخصيته بالقياس إلى بني العباس فبينما كان أبوه المنصور يصنع الممكن والمستحيل لمعاكسة ما يرتبط بأهل البيت عليهم السلام، بل رفض أن يروى عن جده عبد الله بن عباس إذا كان ذلك يرتبط بمنهج أهل البيت في العقائد والأحكام ولهذا يقال إنه نهى مالكا بن أنس[54]أن ينقل في الموطأ عن علي عليه السلام حتى لو كان الواسطة في ذلك عبد الله بن عباس..

--> صلى الله عليه وآله وسلم 51  ويقول الذهبي في سير أعلام النبلاء دار الحديث- القاهرة ٧/ 79 في شأنه: «وكانَ مُسْتَهْتِرًا بِمَوْلاَتِه الخَيْزُرانِ، وكانَ غارِقًا كَنَحْوِهِ مِنَ المُلُوكِ فِي بَحْرِ اللَّذّاتِ، واللَّهْوِ والصَّيْدِ، ولَكِنَّهُ خائِفٌ مِنَ اللهِ، مُعادٍ لأُولِي الضَّلاَلَةِ، حَنِقَ عَلَيْهِم» 52  ابن العديم؛ عمر بن أحمد: بغية الطلب في تاريخ حلب ٤/‏١٧٦٠ نقل عن محمد بن أبي العتاهية: كانت لأبي جارة تشرف على سطحه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلم القمر!!، واتصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة، فصار إلى منزلها وبات وأشرف على أبي العتاهية فرآه يصلي، فلم يزل يرقبه حتى قنت وصار إلى مضجعه، فانصرف حمدويه خاسئا!! (يعني رأى أن لم يظفر به) 53  الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ٢/١٢٦ فقد ورد عن يونس (بن عبد الرحمن)، قال: قلت لهشام (ابن الحكم) انهم يزعمون أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت ولا تتكلم، فأبيت أن تقبل رسالته، فأخبرني كيف كان سبب هذا؟ وهل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أولا؟ وهل تكلمت بعد نهيه إياك؟ فقال هشام: انه لما كان أيام المهدي شدد على أصحاب الأهواء”.. هذا مع أنه هشام بن الحكم المعروف بقوته في المناظرة والاحتجاج وكان ذلك في زمان المهدي العباسي كما هو في الخبر. وما ورد مما يشير إلى أنه كان قد رضي لبعض أصحابه بالمناظرة وأمرهم بها مثل محمد بن حكيم الخثعمي، فيحمل على ما قبل هذه الفترة، وإلى أن ذلك كان في المدينة ولم يكن الأمر فيها كما كان في بغداد، ففي رجال الكشي 2/ 330 عن يونس بن عبد الرحمن عن حماد، قال: كان أبو الحسن عليه السلام يأمر محمد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله  وأن يكلمهم ويخاصمهم، حتى كلمهم في صاحب القبر، فكان إذا انصرف اليه، قال عليه السلام له: ما قلت لهم؟ وما قالوا لك؟ ويرضى بذلك منه. 54  اسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة١/٥٧٨