فوزي آل سيف
71
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
3/ حبيب بن أبي ثابت، وصفه ابن حبان في كتابه (الثقات) بأنه مدلس، وقال ابن حجر أيضًا: كان كثير الإرسال والتدليس. 4/ أبو الهياج فهو نكرة في المدرسة الإمامية، ولم يكن له حديث سوى هذا الحديث. الإشكال في المتن، ويكون في نقطتين: الأولى: في معاني الحديث في معنى (لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته) فمفهوم (سويته) -عند المدرسة السلفية المحرمة للبناء على القبور- أي ساويته بالأرض، سواء أكان البناء جدارًا، أم قببًا، أم أعمدة، وهذا ما صنع بقبور أئمة البقيع عليهم السلام، وغيرها في أماكن سيطرتهم وقوتهم، حيث يفجروا المشاهد ويهدموا القبور والأضرحة، بل كانوا يتمنون أنهم لو تمكنوا ما أبقوا ضريحًا مبنيًّا على الإطلاق. والمفهوم الأخر لكلمة (سويته) عند بقية المسلمين - وهم يرونه الأصح - أن التسوية في الشيء هو عبارة عن إزالة النتوءات والارتفاعات والانخفاضات. فكانت القبور آنذاك مسنمة كسنام البعير -على فرض صحة الحديث- فيراد جعلها مسطحة مستقيمة، وليس بالشكل المثلث. وهذا هو الأقرب؛ لأنه لو أراد أن يقول بذلك المعنى من التسوية وهو الهدم والمساواة بالأرض، لصح أن يقول: (ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته بالأرض) وفي هذا يستقيم والمعنى الذي أرادوه. أما التسوية المجردة لا يعدو كونها على مستوى واحد، متساوية الأجزاء مستقيمة. فإن كان كلا المعنيين محتملين، فلماذا الاقدام على هدم تلك الأماكن الحضارية؟ وإزالة ما من شأنه أن يذكر فيها اسم الله، ويعظم فيها أولياؤه؟ على أثر حديث يشكل في سنده، وغير تام الدلالة؟! الأخرى: إشكال في الممارسة لا في المعتقد؟! هناك مدرسة عريضة تضم أكثر المسلمين التابعين لمدرسة الخلفاء الذين توحدت كلمتهم على عدم جواز هدم هذه المقابر، والأضرحة، والمشاهد، حتى لو كان فيها بعض الممارسات غير الصحيحة؛ فإن الحل يكمن في إرشاد الناس وتوجيههم، لا في هدم تلك الأماكن. فلو أن شخصًا يصلي في المسجد خلاف القبلة، فهل من الصحيح هدم المسجد؟! أم توجيهه إلى القبلة. بل أعظم من ذلك لو أن شخصًا أشرك بالله في المسجد، فهل من الصحيح هدم المسجد؟! أم توجيهه وإرشاده إلى الصواب، والعمل الصحيح. فهدم القبور والمشاهد والأضرحة التي هي مألف الناس، ومحل تجمعهم على فعل الطاعات، بدلا من أن يألفوا أماكن الفساد، وأماكن اللهو، التي يغض الطرف عنها، وتوجه السهام إلى الأماكن التي يتلو فيها كتاب الله، ويذكر فيها اسمه، ويصلى إليه، ولا يدعى إلا هو، تهدم بحجة حديث ملتبس من كل الجهات. وأمثال ذلك مما ذكروه كرواية لعن اليهود والنصارى القائل:(لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [[242]]. فهل الإشكال على اليهود والنصارى في اللعن أنهم اتخذوها مساجد فقط؟ أم أنهم قالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}، وعلى هذا الأساس اعتقادهم أنهم أبناء الله، وهذا عين الشرك. ولكن أين هذا ممن يوحد الله ويؤمن به، ويتوجه إلى الكعبة ويصلي إلى ربه، ولكن بجانبه قبر من قبور أنبياء الله، أو أوليائه، فما الضير في ذلك؟
--> 242 ] مسند أحمد: ج5، ص184.