فوزي آل سيف
60
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
بينما ترجم الشيخ عبد الحسين الشبستري في سلسلة حول أصحاب الأئمة عليهم السلام وجدتُ منها: ما عنونه باسم: الفائق في أصحاب ورواة الإمام الصادق لثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين (3750) اسما ممن عاصروا الإمام جعفرا الصادق عليه السلام، وكذلك ترجم لأصحاب الإمام موسى الكاظم بعنوان: احسن التراجم لأصحاب الإمام الكاظم فجاء بنحو خمسمائة وثلاثين (530) اسما، وللإمامين الجواد بعنوان سبل الرشاد إلى أصحاب الإمام الجواد، وأصحاب الإمام الهادي عليه السلام بعنوان النور الهادي إلى أصحاب الإمام الهادي، ترجم من أصحابهما نحو مائة وتسعين (190) اسما لكل منهما. وأما الشيخ محمد مهدي نجف فقد ترجم لثمانمائة وثلاثين من أصحاب الإمام الرضا في كتابه المعنون بـ الجامع لرواة وأصحاب الإمام الرضا.. 5/ يمكن القول أن الكمال الحقيقي للدين تحقق في هذه الفترة بعدما تم تبليغ علوم رسول الله صلى الله عليه وآله في تفسير القرآن وبيان العقائد الصحيحة للإسلام، ورسم القواعد في الفقه والأحكام، على يد المعصومين عليهم السلام وهم ورثة النبي في علمه وبذلك صنعوا ضمانة لعدم انحراف الأمة ككل عن هذا المنهج. ولعل هذا أحد معاني ما روي في مصادر مدرسة الخلفاء عنه صلى الله عليه وآله من أنه "لا تجتمع أمتي على ضلال"، بمعنى أنه ولو كان الخط الرسمي والسياسي العام خاطئا في مناهجه وأحكامه إلا أن هناك في الأمة من لا يتبع ذلك المنهج، ويملك الطريق الصائب بحيث لو أراده أحد فإنه يمكن التعرف عليه وهو ما كان لدى العترة الطاهرة من ذريته صلى الله عليه وآله. لقد تبلورت مدرسة الإمامة كطريق متميز في عقائدها وفقهها، وكان هذا معروفا لدى الحاكمين وعند الفقهاء من أتباع المدرسة الأخرى بل كان معروفا عند عامة الناس. وهذه المدرسة وإن كانت محارَبَة تارة ومحاصَرَة أخرى إلا أنها كانت متميزة عن غيرها. وقد يسأل سائل: إن الدين قد كمل بنزول القرآن الكريم معلنا (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي..) فما معنى أن هذه المرحلة هي التي تحقق فيها كمال الدين الحقيقي؟ والجواب: أنه بنزول القرآن كمل الدين بطريقين: ببيان العقائد والأحكام وطريقة الحياة المطلوبة (في أصولها العامة) وبتوجيه الناس إلى الأخذ من الرسول الكريم فيما أوجبه القرآن بقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه) والنبي بدوره أرشد إلى طريق الأخذ عنه بشكل مباشر فقال " خذوا عني مناسككم " و " صلوا كما رأيتموني أصلي" وأيضا حين أرشد إلى الأخذ عن ورثة علمه وعترته التي ما أن يتمسك بها الناس ـ وبالقرآن ـ حتى ينجوا من الضلال في حديث الثقلين المعروف. وشاهد ذلك أننا لو تصورنا ـ لا سمح الله ـ أنه ما الذي كان سيحدث لو أن أئمة أهل البيت عليهم السلام وعترة النبي لم يكونوا في تاريخ الأمة ووجودها، لكانت هذه الأمة لا تكون أحسن حالا من الأمم المنحرفة تماما عن التوحيد والتنزيه إلى التشبيه والتجسيم في العقائد، وما هو مثلها في العقائد والأحكام. 6/ مما يؤكد سعة انتشار التشيع لأهل البيت عليهم السلام (بمراحله المختلفة من تعاطف قلبي كبير، وتشيع سياسي واجتماعي، والتزام عقائدي فقهي) أننا وجدنا حضور شيعة أهل البيت عليهم السلام في بيوت الخلفاء وقصورهم حتى على مستوى النساء، والولاة وحكام المناطق، بل والوزراء والقادة العسكريين، مع أن هذا المذهب والاتجاه كان محارَبا، وكان الانتماء إليه بأي درجة من الدرجات مجرَّما. فإما أن كفاءات هؤلاء قد فرضت نفسها بحيث أن السلطات الحاكمة قد غضت الطرف عن انتمائهم المذهبي لأجل كفاءاتهم العملية والإدارية، أو لأن هؤلاء كانوا يمارسون التقية والتخفي بشكل لا تستطيع السلطة إيجاد الدليل الدامغ عليهم أو لغير ذلك من الأسباب. ويطول تتبع الأسماء بتفاصيلها، وقد ذكر الشيخ المهاجر في كتابه التاريخ السري بعض جوانب هذا الموضوع وربما نعود إليه إن شاء الله في مناسبة أخرى كالحديث عن سيرة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.