فوزي آل سيف

47

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وسرعان ما شربوا من نفس الكأس التي سقوا الناس منها! بعد نحو أربع وثلاثين سنة، فإذا بهم في أيام المتوكل العباسي يطارَدون ويسجَنون ويعذَّبون لأجل إيمانهم بتلك المعتقدات التي سجنوا من كفر بها من خصومهم.. وسيأتي الكلام في ذلك في موضوع فتنة خلق القرآن. انطلق مخالفو المعتزلة من أهل الحديث ليمسحوا كل الآثار التي خلفها المعتزلة، فضلًا عن غيرهم ممن سموهم (بأهل البدع)! وهذه المرة أيضا تحت حماية ورعاية السيف الرسمي للخلافة، فما لبث أن جاء المتوكل وجاء معه المحدثون ومعهم من الأحاديث ما لا يقبله القرآن الكريم عند عرضه عليه، ولا العقل الصحيح عند قياسه به! ولكن كل ذلك لا يهم عندهم ما دام الثقة قد نقله! بل استدعى المتوكل هؤلاء من كل مكان وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات! فاستحق بعد ذلك لقب " محيي السنة " وبها صاغ توجه المذهب الرسمي لمدرسة الخلفاء. وكان ذلك في مطلع خلافته إذ «في سنة أربع وثلاثين ومائتين أشخص ‌المتوكل ‌المحدثين، وقسمت الجوائز بينهم، وأمرهم المتوكل أن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، فجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا ».[148] وبشكل اكثر وضوحا يقول في كتاب آخر «..استقدمَ المحدِّثينَ إلى سامرّاء، وأجزلَ عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم أن يُحدِّثوا ‌بأحاديث ‌الصِّفَات والرؤية».[149] فما هي هذه السنة التي أحياها المتوكل العباسي؟ وما هي أحاديث الصفات والرؤية؟ يذهب الشيخ الكوراني إلى أنها كانت إحياء أحاديث التجسيم التي يسمونها أحاديث الصفات والرؤية، وإحياء البغض الأموي لأهل البيت (عليهم السلام) ونصب العداوة لهم.[150]وينقل عن التميمي في المحن إلى أنه كان " يبعث إلى الآفاق فيؤتى إليه بالفقهاء والمحدثين، فخرَّج كل واحد منهم بثلاثين حديثاً في تثبيت القدر، وثلاثين حديثاً في الرؤية، وغير ذلك من السنن، فتعلمها الناس حتى كثرت السنن وفشَت ونمَت، وطُغيت البدعة وذلَّت ». ويتساءل قائلا: لاحظ قول الراوي: فخرَّج كل واحد منهم بثلاثين حديثاً في تثبيت القدر، وثلاثين حديثاً في الرؤية! فمن أين جاؤوا بها؟ ولعل الجواب واضح في أن الحكومات عندما تضع يدها في أمر الحديث والرواية وتجيز عليها أو تعاقب، فمن الطبيعي أن يكثر ما يحبه الخليفة من الأحاديث ويتوالد! وأن يضمر ما يكرهه وينتهي! ما هي أحاديث الصفات والرؤية والقدر؟ لما استبعد أهل الحديث حكومة القرآن على الأحاديث ومقياسية العقل لمضمون الأحاديث، تحول الحديث عندهم إلى (رب) لا يجوز الاعتراض عليه، وسيتحول فيما بعد كتابان هما صحيحا البخاري ومسلم إلى قرآن آخر، وأنهما لا يوجد بعد القرآن أصدق منهما وأصح! وأن من الكبائر (العلمية) أن ترد حديثا ورد في الصحيحين! لما حصل ذلك جاء إلى الساحة الإسلامية، أحاديث تثبت: حصول رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة! وأنهم يرونه كما يرون الشمس والقمر لا يشكون فيهما.. كذلك الحال بالنسبة لرؤيتهم ربهم سبحانه وتعالى. فلنعرض لبعضها مما يشير الرؤية:

--> 148 ) الذهبي؛ شمس الدين: تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال 5/ 291 149 ) الذهبي: تاريخ الإسلام - ت تدمري 17/ 13 150 ) الكوراني: الإمام علي الهادي ٥٠ وقد مر بنا في صفحات سابقة شيئًا من ممارسات المتوكل في تكريس خط النصب والبغض لأمير المؤمنين علي وللعترة عليهم السلام.