فوزي آل سيف

43

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وأما الحل: فالجواب عن الإشكال الأول: هو بأن يقال: إنه جرت سنة الله سبحانه في خلقه أن يدبر الكون من خلال وسائط (ملائكة، قوانين، ومخلوقات) لا عجزًا منه ولا استعانة وإنما هذا أبلغ في إظهار قدرته وعظمته! فإن الله سبحانه وهو المحيي والمميت، يقدر على إماتة كل خلقه وإحيائهم، لكنه مع ذلك أوكل الأمر إلى أحد ملائكته وهو اسرافيل وأوكل إليه نفختين في الصور إحداهما تميت والأخرى تحيي! (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).[139] وهكذا في إماتة الخلق بالتدريج كما هو في الدنيا فتارة يقول (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).[140] وفي نفس الوقت يقول سبحانه (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)[141] إن جبرئيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران والكرام الكاتبين المراقبين للإنسان والحفظة الذين يحفظونه بأمر الله وإذنه،[142]بل (وعلى أحد تفسيري) الصافات والزاجرات والتاليات والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والملقيات[143].. كل هذه إنما هي جنود الله (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ).. بها يدبر الكون، لا أنها هي التي تدبر، وإنما بها.. بل حتى القوانين الطبيعية فإنه (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ولكن هذا إنما يتم بنظام وضعه الخالق سبحانه وأجرى الكون على أساسه، فلا الكواكب يصدم بعضها بعضا ولا يبتعد بعضها عن البعض الآخر وإنما هي مجذوبة لبعضها بنظام.. به تبقى الكواكب والأفلاك. فبهذا النظام وهو خلق الله يدير الله الكون. بالجاذبية وهي (من جند الله) يحفظ ما على الأرض فلا يطير في الهواء، وتستقر الأرضيات فيها، وبالماء يكون كل شيء حيًّا وهو خلق من خلق الله.. فهل عجز الله سبحانه حتى يحتاج لكل تلك الملائكة والمخلوقات؟ أو أنه شريكة له في ربوبيته وألوهيته؟ كلا. وإنما هي من مظاهر عظمته وقدرته. فعلى ضعفها وقلتها وذلتها وعبوديتها أودع فيها شيئا من قدرته فصارت هكذا.. ونفس الكلام يقال بالنسبة للمعصومين عليهم السلام، فهم لا يشاركون الله في شيء وإنما أجرى فيهم سره، وأودع فيهم شيئًا من قوته وعظمته، فبذلك حفظت الأرض إذ لولاهم لساخت بأهلها، وبهم رُزِق الورى.. أترى أن الجاذبية وهي قانون.. تحفظ الأرض بإذن الله وأمره، بينما لا يحفظها من الفناء والعذاب وجودُ رسول الله صلى الله عليه وآله؟[144]وإذا ثبت بالنسبة للرسول صلى الله عليه وآله فقد ثبت في أوصيائه وولده. وأما الجواب عن السؤال الثاني: فإننا لو التزمنا بأن الله سبحانه يباشر حساب الخلق وأنه يعودون إليه ويؤوبون له، بالمعنى الظاهري الحرفي فإن ذلك يلزم منه التجسيم وحصول الله في جهة دون سائر الجهات، كما تقول ارجع إلى فلان وخذ حسابك منه! وهذا لا يقول به المسلمون الواعون. وإنما المشبهة والمجسمة. فإذن يلزم أن يعنون بعنوان غير هذا. وهو أن مرجع الناس ومصائرهم إلى ربهم، وأنهم مهما تهربوا في هذه الدنيا من الحساب فإن لهم يوما لا يستطيعون الفرار منه. وهذا على وزن (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)[145](وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ). فإيابهم إلى الله ومرجعهم له، وحسابهم يكون منه، ولكن ليس بالضرورة أن يكون بشكل مباشر بل الملائكة تارة تأتي بالكتب، وأخرى تتولى سوق الجاحدين إلى جهنم، وثالثة تقدم هؤلاء وتؤخر أولئك، وهكذا الحال بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة فإنه وهم يسقون الناجين من حوض الكوثر، ويذودون عصاة الخلق عنه كما تذاد غريبة الابل. وكل ذلك إنما يتم بأمر الله وإذنه. إن بعض الناس عندما يقال لهم: الملَك الفلاني يتولى حساب الناس! يستقبله بصدر كالأرض رحابة! لكن إذا قيل له إن عليًّا بن أبي طالب هو قسيم الجنة والنار، ترى (صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) مع أنه لا ذاك يقوم بالأمر بنفسه واستقلاله ولا هذا!

--> 139 ) ص: 68 140 ) الزمر: 42 141 ) السجدة 11 142 ) الرعد: 11 143 ) بمراجعة التفاسير بين الفريقين يتبين أن أحد الرأيين في هذه الأسماء أنها إشارات للملائكة الموكلين بهذه المهمات، فراجع. 144 ) الأنفال: 33 (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ). 145 ) الشورى:53