فوزي آل سيف
18
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
مناهج دراسة حياة المعصومين عليهم السلام من الواضح للمتأمل، تأثير القدوة على المقتدي، والأسوة على المتأسي، ولذلك وجدنا أصحاب الأفكار والمبادئ المختلفة (صالحة أو فاسدة) يقدمون نماذجهم وشخصيات مذاهبهم على أنها تجسد الطريقة الأفضل في الحياة. فتأثير نموذج وشخصية في مجتمعٍ ما، يفوق تأثير الأفكار والنظريات، وبناء على هذه القاعدة فإنه قد أمر من الناحية الدينية بالتأسي والاقتداء بحياة الأنبياء والرسل ومن بعدها الأوصياء والأئمة عليهم السلام جميعا، فقد أشار القرآن الكريم بعد أن ذكر حياة عدد من رسل الله وأنبيائه إلى جهة الاقتداء بهم فقال (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).[71] هذا بالإضافة إلى ما ذكره القرآن الكريم في قصصهم مع أقوامهم بضميمة أنه (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[72]. كما أن الأوامر النبوية بلزوم منهج أهل البيت عليهم السلام، تقتضي بالملازمة دراسة حياتهم والاطلاع على مواقفهم، التي اتخذوها في الظروف المختلفة، ومن غير معرفة تفاصيل حياتهم وسيرتهم قد يصعب الاهتداء إلى منهجهم. وأمامنا – شيعة أهل البيت عليهم السلام – فترة طويلة تمتد إلى أكثر من قرنين ونصف من الزمان، تشمل حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، والمعصومين من عترته، الأمر الذي لا يتنعم به أحد من المسلمين ولا من غيرهم، بأن يكون بمقدورهم الاطلاع على تفاصيل مواقف معصومة، وسيرة حياة مسددة من الله سبحانه، لا يتطرق إليها السهو فضلا عن الخطأ والذنب، لكي نصوغ حياتنا المعاصرة على ضوء تلك القيم والمناهج التي سلكها أولئك المعصومون. وكان بالإمكان لجميع أبناء الأمة الإسلامية أن ينتفعوا بهذا التاريخ لولا أن المذاهب الخاطئة من جهة والسلطات الظالمة من جهة أخرى قد عملت – وللأسف نجحت في مستويات كثيرة – على فصل الأمة عن أئمتها، وتحويلهم في أفضل الفروض إلى اثني عشر عالما كآلاف العلماء الذين وجدوا في الأمة، وعُبّادا كمئات الآلاف من عباد الأمة! بل حتى في الدائرة الشيعية ربما نلاحظ أنه لم تتم الاستفادة والانتفاع التام من سيرة حياة المعصومين عليهم السلام، بما يتناسب مع مقاماتهم العالية، وسعة دائرتهم. فقد نلاحظ أنه تم التأثر بمنهج خاص من مناهج دراسة المعصومين، وتم الاقتصار عليه مع أنه ربما لا يستوعب كل حياة المعصوم، وإنما يركز على جانب من جوانبها، بينما كان المفروض أن يستفاد من الجوانب المختلفة بتمامها. ولأجل ذلك سوف نعرض لعدد من المناهج التي تم بواسطتها دراسة حياة المعصومين، وربما يلاحظ أو لا يلاحظ الكاتب ضمن ذلك المنهج، أنه يسير في هذا الاتجاه الأحادي، ولكن الناظر من الخارج له ولغيره بإمكانه أن يلاحظ ذلك بوضوح. ولا نريد من البداية أن نقول أن هذا المنهج أو ذاك صحيح أو خاطئ وإنما نريد أن نقول: إن حياتهم هي أوسع من أن يحيط بها منهج واحد وينفي باقي المناهج. 1/ القراءة الفضائلية والاعجازية: ويمكن القول أن هذه القراءة لحياة المعصومين هي الصبغة العامة الموجودة في المصادر الحديثية الأصلية والمتفرعة منها. وذلك نابع من أن كثيرا من هذه المصادر كانت في صدد إثبات إمامة الأئمة المعصومين، فهي بناء على ذلك تتوسل بأمرين: أحدهما؛ النصوص الواردة في إمامتهم؛ سواء كانت آيات القرآن المفسرة بهم، أو نصوص المعصومين السابقين على اللاحقين.. والأمر الثاني الكرامات (والمعجزات) التي ظهرت على أيديهم والتي تثبت اتصالهم بعالم الغيب. وربما أضيف لذلك ما يرتبط بسيرتهم الأخلاقية، حيث أنها لما كانت في المستوى الأعلى تساعد على إيجاد قناعة عند القارئ بأن هذا لا ينبعث ـ في مجموعه ـ إلا ممن اختارهم الله لإمامة الخلق حيث (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).[73]
--> 71 ) الأنعام: 90 72 ) يوسف: 111 73 ) الأنعام: 124