فوزي آل سيف

12

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

9/ من أدوار الإمام وأعماله: يتلخص دور الأئمة عليهم السلام في أن الله سبحانه وتعالى جعلهم " مستودعا لحكمته وتراجمة لوحيه وأركانًا لتوحيده وشهداء على خلقه وأعلاما لعباده ومنارًا في بلاده وأدلاء على صراطه"، فإذا كانت همة غيرهم في التراب وبناء القصور،[51]أو جمع الأموال، والجواري، فإنهم كانوا يجمعون الفضائل والمناقب، ويجمعون ما تفرق وتشعب من أحكام الشريعة وسبيل الحياة الطيبة المؤدي إلى رضوان الله تعالى، وكان هذا هو الذي حفظ شريعة الله سبحانه ودين رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا هو ما انشغل به الإمام علي الهادي عليه السلام سواء في أيامه في المدينة المنورة أو بعد الانتقال إلى سامراء، بالرغم من اختلاف الأجواء السياسية والعامة في الثانية عن الأولى لصالح سهولتها في الأولى وصعوبتها في الثانية. وسيأتي في الصفحات القادمة؛ أن الإمام عليه السلام قد عمل في اتجاهات متعددة في هذا الأمر: ـ فمن جهة كان توحيد الله سبحانه في الأمة مهددا بجموع المجسمة والمشبهة الذين نشطوا من عقال في زمان المتوكل العباسي وبعدما كانوا قد ألجموا ـ نسبيا أيام المأمون والمعتصم والواثق ـ عادوا هذه المرة بنشاط كبير محميين من المتوكل العباسي (مجمع التناقضات كما ذكرنا) فقد دعاهم بشكل رسمي لنشر الحديث في الرؤية والصفات، وهذا عنوان واسع ينفتح على كل أحاديث التجسيم وما تسرب من العقائد اليهودية المحرفة إلى التراث الحديثي عند المسلمين.. فانبعث الإمام الهادي عليه السلام لنشر التنزيه في مقابل التشبيه، وبث تفسير محكمات القرآن النافية للتجسيم والأفكار الباطلة، إذ أنه إذا اختل نظام التوحيد لله، وجهل الناس حقيقته فإنهم عندها يعبدون ربا يختلف عن الله سبحانه وتعالى.. وسيأتي بعون الله تفصيل أعماله هذه من مناقشات ومناظرات واحتجاجات في الصفحات القادمة. ـ كما أنه انتشر في زمان المتوكل العباسي وبمباشرة منه في كثير من الأحيان ودعم في كل الحالات، تيار النصب والعداوة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إلى الدرجة التي كان من يذكر فيها عليا عليه السلام بخير يتعرض للعقوبة كما حدث للجهضمي، ومن كان يشنع عليه (صلوات الله عليه) ويلعنه ويسخر منه كان ينال الحظوة والجائزة التي تصل أحيانا إلى إعطائه الولاية على بعد الأقاليم! وإذا كانت العداوة للإمام علي عليه السلام هي الاتجاه الرسمي العام في الدولة العباسية باستثناء فترات قصيرة فإن هذا المقدار من البغض وهذا النحو من الإعلان بمختلف الوسائل وعلى المستوى الرسمي في كل مكان، لا نعتقد أنه حصل في أي وقت من تاريخ المسلمين، حتى أن المتوكل العباسي وصف من قِبل كثير من المؤرخين صراحة بأنه (ناصبي) الأمر الذي لا نرى غيره قد وصف به بالرغم مما صنعوا من عداوة الإمام عليه السلام. وفي هذا الجانب فقد أعاد الإمام من خلال بثه ونشره فضائل الإمام عليه السلام، ودعوته إلى زيارته ولا سيما في مناسبة يوم الغدير وهي المناسبة الفاصلة التي تثبت ولايته وإمامته على الأمة. وسيأتي مزيد حديث في هذا الجانب إن شاء الله تعالى. ـ وإذا كان الخلفاء يصطنعون لهم معارك غير حقيقية، وكأنهم يحاربون طواحين الهواء، بدلا من اقبالهم على ما يهم الأمة، وينتظر من حكامها من العدل والقسط والإنصاف، كفتنة خلق القرآن التي امتدت نحو ثلاثة عقود من الزمان، لعب بها الحكام العباسيون كالكرة تُرفَع مرة وتكبَس أخرى بحسب توجهات الحاكم، ويكون الضحية تلك الأمة التي تُشغل بعامتها وعلمائها، وتعاقَب بحسب توجهات الحاكم إذا اختلف معه الناس، فتارة تكون العقوبة المشددة لمن قال بقِدم القرآن والمكافأة لمن قال بخلقه وحدوثه، حتى إذا تغير الحاكم انعكست المسألة فيكافَأ ويكرَّم من قال بخلق القرآن ويجلد ويقتل من قال بخلاف ذلك.. ونهى الإمام الهادي عليه السلام عن الخوض فيها مبيّنا أن تلك القضية فتنة عبثية، وأنه لا نتيجة لها على المستوى النظري العلمي ولا المستوى العملي الإيماني وأنه لا ينبغي أن يخوض الناس فيها، وسيأتي في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى تفصيل هذه المسألة وبيان موقف الإمام وشيعته منها.

--> 51 ) النويري؛ أحمد بن عبد الوهاب: نهاية الأرب في فنون الأدب 1/ 406: «فأما ‌قصور ‌المتوكل، فهي: الكامل، والجعفرىّ، وبركوارا، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والغريب، والبديع، والصّبيح، والمليح، والقصر، والبرج، والمتوكّليّة، والقلّاية.