فوزي آل سيف
60
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
هذا بناء على أن إخراج الإمام من المدينة إلى بغداد كان مرة واحدة، غير أن هناك رواية ينقلها الكليني في الكافي[132] تفيد بأنه عليه السلام استجلب مرتين إلى بغداد وأنه أخبر بعض أصحابه بأن الخروج الأول لا خوف عليه وإنما الاستجلاب الثاني هو الذي يخاف عليه منه. وقد أرخت السفرة الثانية بأنه قد وصل بغداد في 28 محرم 220 ه وأبقي فيها إلى أن سمه المعتصم بالتعاون مع زوجته أم الفضل بنت المأمون (بنت أخ المعتصم). وتُنقَل بعض الحوادث - بشكل غير مرتب - في هاتين السفرتين، ولكنها تشير إلى طبيعة المعتصم العباسي وعلاقته التآمرية المتشنجة مع الإمام الجواد، وأنه كان سينتهي في هذه المسيرة إلى التخلص من الإمام. فقد نقل ابن حمزة الطوسي في ثاقب المناقب عن ابن أورمة قال: إن المعتصم دعا جماعة من وزرائه وقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى الرضا زورًا واكتبوا بأنه أراد أن يخرج. ثم دعاه فقال: إنك أردت أن تخرج عليَّ!. فقال: والله ما فعلت شيئًا من ذلك! قال: إن فلانًا وفلانًا شهدوا عليك، وأحضروا فقالوا: نعم، هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك. قال: وكان جالسًا في بهو، فرفع أبو جعفر عليه السلام يده وقال: اللهم إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم!. قال: فنظرنا إلى ذلك البهو يرجف ويذهب ويجيء، وكلما قام واحد وقع، فقال المعتصم: يا بن رسول الله، تبت مما قلت، فادع ربك أن يسكنه. فقال: اللهم سكّنه! وإنك تعلم بأنهم أعداؤك وأعدائي. وبالرغم من أن هذه الرواية وأمثالها تنقل في باب الكرامات والمعاجز إلا أن مقدمتها تشير إلى ما نحن بصدده من تآمر المعتصم العباسي ووزرائه على الإمام عليه السلام وترتيب المبررات من أجل القضاء عليه. وهكذا ما نقله الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) من أن أحمد بن أبي دؤاد القاضي، قد قال له المعتصم - وكأنّ في نيته أن يصنع ذلك كما يزعم -: ما ترى العلائية (الشيعة) تصنع ان أخرجنا إليهم أبا جعفر سكران ينشى مضمَّخا بالخلوق؟[133]
--> 132 الكليني: الكافي١/٣٧١: عن إسماعيل بن مهران، قال: لمّا خرج أبو جعفر عليه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك! إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكرّ بوجهه إليّ ضاحكا وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة. فلمّا أخرج به الثانية إلى المعتصم، صرت إليه فقلت له: جعلت فداك! أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتّى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليّ، فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني علي. 133 الطوسي: اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ٢/٤١٧