فوزي آل سيف
51
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
فقام إليه صاحب المسألة الثانية، فقال له: يا بن رسول الله، ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: يعزر ويحمى ظهر البهيمة، وتخرج من البلد، لا يبقى على الرجل عارها!. فقال: إن عمك أفتاني بكيت وكيت. فالتفت وقال بأعلى صوته: لا إله إلا الله، يا عبد الله، إنه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول لك: لم أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك؟ فقال له عبد الله بن موسى: رأيت أخي الرضا عليه السلام وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب. فقال له أبو جعفر عليه السلام: إنما سئل الرضا عليه السلام عن نباش نبش قبر امرأة ففجر بها، وأخذ ثيابها، فأمر بقطعه للسرقة، وجلده للزنا، ونفيه للمثلة، ففرح القوم [110]. ملاحظات وفوائد: 1/ إن الإمامية في ذلك الوقت بل قبله قد نضجت عندهم ثقافة الإمامة وما يرتبط بصفات الإمام، وكان من ذلك أن علم الشخص بأحكام الدين وآيات القرآن بعد النص عليه هو المقياس الأساس في إمامته، لا أنه ابن فلان أو أخ فلان أو بيده السلطة أو غير ذلك. بل كانوا يعتقدون بأن الإمامة بالإضافة إلى أنها نص من الله تعالى فإنها لا تجتمع في أخوين بعد الحسنين كما وردت به الروايات. ولأجل ذلك فإنهم لم یسلّموا لعبد الله بن موسى الكاظم حين تصدى وتصدر مع أنه أكبر سناً من الإمام الجواد عليه السلام بعقود من السنين، إلا أن ذلك وحده لم يكن ليقنعهم بأن هذا هو الإمام. وحين أجاب بأجوبة هي على خلاف المقاييس التي يعرفها أصحاب الأئمة وتلاميذهم فإنهم حزنوا كثيرا لتصديه لموقع ليس له، وهو ما عبرت عنه الرواية بأنهم ضجوا بالبكاء! 2/ إن أبناء الأئمة عليهم السلام لم يكونوا على مستوى واحد {فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ}[111] فكما وجدنا السابق بالخيرات بإذن الله ممثلاً في الأئمة المعصومين المنصوص عليهم، فقد وجدنا أيضا بينهم المقتصد الهادف والعامل بما عرف من آبائه الكرام كأحمد بن موسى بن جعفر الذي كان على جلالة شأنه وعلو معارفه الدينية مسلّما طائعًا لأخيه علي بن موسى الرضا، ونظيره في الفضل والطاعة وعلو المنزلة علي بن جعفر الصادق الذي سلّم بالإمامة والبيعة لابن ابن أخيه محمد الجواد، وكان يقول: بل أنا له عبد!! كذلك وجدنا من يظلم نفسه بادعاء ما ليس له من المنصب بحق، فيقدم نفسه على أنه الإمام وهو ليس كذلك، لا من جهة التأهيل الشخصي ولا النص الإلهي! ولعل هذه الرواية تشير إلى أن عبد الله بن موسى تصدى لهذا الموقع من غير أن يكون من أهله. وربما يكون تراجع فيما بعد عن هذا ولم يستمر في التصدي ومزاحمة الإمام الشرعي، حيث لا نعثر على مواقف تفيد هذا المعنى.
--> 110 الطبري (الإمامي)؛ محمد بن جرير: دلائل الامامة ص ٣٩٠ / ويوسف بن حاتم الشامي المشغري العاملي(ت 664) في الدر النظيم ص ٧٠٥ 111 سورة فاطر:32