فوزي آل سيف

41

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

وهكذا الحال في شأن النبيين العظيمين عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، فإن الأول هو من أنبياء أولي العزم الذين كانت لهم رسالة عالمية شاملة، ومع ذلك يتحدث عنه القرآن قائلا {فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩ قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١}[90]، وكذلك الحال في يحيى بن زكريا النبي حيث خاطبه ربه {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢ وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣}[91]. فهؤلاء أنبياء ثلاثة أحدهم سيطر على الدنيا وملكها بما لم يحصل لأحد قبله، بالإضافة إلى سيطرته على الدين والشريعة، وقد أوتي النبوة صبيا صغير السن، والآخر كان من أولي العزم أصحاب الرسالة العالمية، وبجانبه يحيى النبي وقد أوتيا الكتاب والحكم صبيين! فإذا كان هذا قد حصل في نفس الإطار الديني الذي يتحدث الإمامية عن حصوله للإمام الجواد (ومن بعده سيحصل للإمام الهادي وللإمام المهدي عليهم السلام) فما هي الغرابة في ذلك؟ ولماذا عندما يحصل للأنبياء يكون الأمر طبيعيا، بينما عندما يحصل للأئمة يكون غير طبيعي؟ الثالثة: رفع الاستغراب من خلال حصول نوابغ بشرية (لم تكن لهم صفة إلهية ولا كان ينتظر منهم دور رباني) حصل لهم من العلم الاستثنائي والمعارف المحيرة للعقول وهم أطفال أو صبيان.. وقد سجلت حالاتهم في العصر الحديث كما نقلت حالات أخر في العصور السابقة.. فإذا كان هؤلاء لهم هذه الكفاءات الاستثنائية من العلم والذكاء والمعرفة، وهم لم يُعَدّوا لدور الهي أو استثنائي فما الذي يمنع منه بالنسبة لإمام أو أئمة قد أعدوا للقيام بأدوار إلهية ومهمات ربانية وهي هداية الخلق؟ وقد أشرنا في كتابنا الإمام المهدي: عدالة منتظرة ومسؤولية حاضرة إلى هذه الفكرة في الرد على استبعاد توليه عليه السلام الإمامة وهو صغير السن، وننقل خلاصة ما ذكرناه هناك فقد قلنا؛ إنه يوجد «للإنسان عُمْران؛ عمر تكويني وآخر عقلي» التكويني هو هذا العمر الظاهري الذي يتأثر بالزمان، فهو في البداية طفل ذو مدارك ومعارف محدودة، وبالتدريج يصبح شاباً فيكتسب معارف جديدة وعلوماً حادثة، وبتتبع نظره في ما حوله وتأمله ينمو عقله، حتى يبلغ أشده كما يقول القرآن ببلوغ أربعين سنة.. ثم يميل تدريجياً باتجاه الانحدار في القوى العضلية والعقلية والادراكية، حتى يصل {إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}[92] من الناحية الادراكية، ويحتاج إلى من يتولى له أبسط الأمور من الناحية البدنية! هذا العمر التكويني يمر به غالب البشر. لكنَّ هناك عمرًا عقليًّا للإنسان قد يرتبط بعمره التكويني ويمر بنفس المراحل السابقة التي ذكرت، وقد لا يرتبط، أي من الممكن أن يكون عمر أحدهم خمس سنوات ولكن عمره العقلي خمسون سنة وآخر قد يكون عمره التكويني أربعين سنة ولكن عمره العقلي أربع سنوات.

--> 90 سورة مريم: 29- 31 91 سورة مريم: 12- 13 92 سورة الحج: 5