فوزي آل سيف
22
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
3/ كما أننا لا نفهم موقف الريان بن الصلت بناء على هذا النص في أنه يشتمه بأنه «ابن الفاعلة» وهو قذف صريح يستوجب الحدّ![53] ولا نعتقد أن مثل هذا الكلام يصدر منه مع جلالة شأنه، في حق يونس الذي هو الآخر عظيم الشأن! وعلى أي حال فقد تمهد أمر الإمامة للإمام الجواد، وإن لم يكن بالسهولة التي تمت لأجداده، ولكن كما كان لأبيه الرضا معاناة مع الواقفية فإنه أيضا عانى معهم ومع غيرهم ممن شكك في الأمر، وقد يأتي لنا حديث في موضوع إمامته ومواقف معاصريه منها. وبعد سنة تقريباً من شهادة الإمام الرضا عليه السلام، استقدم المأمونُ العباسيُّ الذي انتقل إلى بغداد من خراسان منتصف صفر سنة ٢٠٤ ه، الإمامَ الجوادَ وأشخصه إلى بغداد في نفس تلك السنة! وكان المأمون لا يزال يواجه غضبة البيت العباسي التي زادت بقتله لأخيه الأمين وكانوا يفضلونه على المأمون، ولعب الصراع القومي دوره حيث كان حاشية الأمين وأركان حكمه من العرب بعكس المأمون الذي أحاط به ونصره الفرس، إضافة إلى أم الأمين العربية وأم المأمون الفارسية، وزاد غضبهم عندما أعلن عن تولية الإمام الرضا ولاية عهده في إشارة تهديد إلى أنهم ما لم يتراجعوا عن مواقفهم فإنه سينقل الحكم إلى البيت العلوي الهاشمي منافسهم التاريخي! فلا يزال المأمون يلعب على هذا الوتر، إذ بعدما تخلص من الإمام الرضا بالشكل الذي بينّاه في موضعه، رأى أن يستقدم الإمام الجواد وأن يقربه منه، فيحقق أهدافا متعددة كما صنع بالنسبة للإمام الرضا وأشرنا إليها في الكتاب المذكور[54]. يفترض أن الإمام الجواد عليه السلام قد استقدمه المأمون العباسي في نفس هذه السنة 204 ه. بطبيعة الحال فإن البيت العباسي المناصر لأخيه الأمين، كان ينتهز كل فرصة لمواجهة المأمون إما لإضعافه أو لإجباره على مزيد من التنازلات، وكأنه يلوح بورقة إما أن تعطينا امتيازات كما كنا نتوقع من الأمين، وإما أن نعرقل أمرك.. فأشهر هؤلاء مرة أخرى مخالفتهم لتقريب الإمام الجواد بزعم أنهم ما صدقوا أن ينتهي أمر أبيه الرضا حتى ابتلاهم بالابن محمد الجواد[55].
--> 53 وربما لهذه الجهة فإن الحسين بن عبد الوهاب قد روى الخبر في عيون المعجزات / 109 من دون أن يكون فيه شتم الريان ليونس بن عبد الرحمن، كما نقل عنه الشيخ علي الكوراني في كتابه الإمام محمد الجواد عليه السلام ص ٥٥ 54 راجع ذلك بشكل مفصل في كتابنا: عالم آل محمد: الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام 55 المفيد: الإرشاد ٢/٢٨١ عن الرّيان بن شبيب (وهو أخو ماردة أم المعتصم زوجة هارون فهو شاهد عيان من داخل البيت العباسي وهو في نفس الوقت من أصحاب الإمام الرضا والجواد) قال: لمّا أراد المأمون ان يزوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام بلغ ذلك العبّاسيين، فغلظ عليهم واستكبروه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرّضا عليه السلام، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه. فقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين ان تقيم على هذا الأمر الّذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فانا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه الله، وتنزع منّا عزّا قد ألبسناه، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا، وما كان عليه الخلفاء الرّاشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتّى كفانا الله المهمّ من ذلك؟ فالله الله ان تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرّضا، واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.