فوزي آل سيف
20
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
ولهذا فقد «جاء محمد بن جمهور القمي، والحسن بن راشد، وعلي بن مدرك، وعلي بن مهزيار، وخلق كثير من سائر البلدان إلى المدينة وسألوا عن الخلف بعد الرضا فقالوا: بـ (صرْيا)،- وهي قرية أسسها موسى بن جعفر عليه السلام على ثلاثة أميال من المدينة - فجئنا ودخلنا القصر فإذا الناس فيه متكابسون فجلسنا معهم إذ خرج علينا عبد الله بن موسى (الكاظم) وهو شيخ، فقال الناس: هذا صاحبنا، فقال الفقهاء: قد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انه لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين وليس هذا صاحبنا»[49] وبعد أخذ ورد في هذا المجلس تبين للحاضرين أن معلومات عبد الله بن موسى -عم الإمام الجواد- والذي حاول أن يتصدى للإمامة، هي هزيلة بل لا تنتمي إلى مدرسة أهل البيت! وإنما ما أجاب به ابن الرضا محمد الجواد هو الذي سمعوه وعرفوه من آبائه. فكان ذلك ثاني براهين إمامته عندهم بعد وصايا أبيه وتصريحاته ونصوصه عليه. وسيأتي ذكر أجوبتهما في فصل دور الإمام العلمي. وكما كان هنا اجتماع للشيعة في صريا بالمدينة فقد انعقد اجتماع مثله في بغداد في منطقة بركة زلزل قرب الكرخ في منزل عبد الرحمن بن الحجاج وقد ضم عددًا من أعيان أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام، وتناقشوا في أمر الشيعة وإمامتهم بعد شهادة الرضا عليه السلام، وكان منهم يونس بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الحجاج (صاحب المنزل) والريان بن الصلت وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وربما طرح بعضهم في هذا الاجتماع مسألة صغر سن الامام الجواد وكيف يتقبل الناس هذا مع ما عهدوه من الأئمة السابقين، ولا سيما مع موقع الإمامة وصلاحيات الإمام وعصمته.. واستقر الرأي على أن يتم التوجه إلى المدينة خصوصاً وأن الناس مقبلون على الحج، إذ كانت شهادة الامام الرضا في شهر صفر، ونحن نفترض أن هذا الاجتماع كان قبل استقدام المأمون للإمام الجواد في سنة 204 ه. وقد نقلها الطبري الامامي في دلائل الإمامة بنحو آخر هو التالي: «فلما مضى الرضا عليه السلام وذلك في سنة اثنتين ومائتين، وسِنُّ أبي جعفر عليه السلام ستُّ سنين وشهور واختلف الناس في جميع الأمصار، اجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحجاج، ويونس بن عبد الرحمن، وجماعة من وجوه العصابة، في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلزل، يبكون ويتوجعون من المصيبة، فقال لهم يونس: دعوا البكاء مَن لهذا الأمر يفتي بالمسائل إلى أن يكبر هذا الصبي يعني أبا جعفر عليه السلام، وكان له ست سنين وشهور، ثم قال: أنا ومَن مثلي! فقام إليه الريان بن الصلت فوضع يده في حلقه، ولم يزل يلطم وجهه ويضرب رأسه، ثم قال له: يا ابن الفاعلة، إن كان الأمر من الله جل وعلا، فابن يومين مثل ابن مائة سنة، وإن لم يكن من عند الله، فلو عَمَّر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة عليهم السلام أو ببعضه. أوَهَذا مما ينبغي أن ينظر فيه؟ وأقبلت العصابة على يونس تَعْذله»!
--> 49 ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ٣/٤٨٩