فوزي آل سيف
14
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
هذا الاطلاع الواسع على علوم الشريعة، جعل إمامته عند شيعة أهل البيت عليهم السلام بل غيرهم حتى وهو في هذا السن أمراً معجزاً لغيره، وأذعنوا له مقرين بها. حتى أولئك الذين كانوا في أول الأمر قد أخذتهم المفاجأة إذ كانوا قد اعتادوا على إمامة الكبار والكهول، ففاجأهم الأمر بأن يكون إمامهم الفعلي بهذه السن، ما لبثوا أن عاد إليهم اطمئنانهم وعلموا أنهم أمام ظاهرة إعجازية. 6/ إعداد الإمام الرضا عليه السلام ولده الجواد للإمامة، وإشارته إليه أمام الخاص والعام بالفضيلة والمنزلة العالية لم تقتصر على إزالة التعجب والاستغراب من السائلين عن إمامته وهو في تلك السن المبكرة، بل تجاوزت هذا إلى طريقة تعامله معه وإشهار ذلك بين أصحابه، حتى نقلوا جزءًا منه فهذا محمّد بن أبي عباد وكان يكتب للرضا عليه السلام يقول: ما كـان -الرضا- عليه السلام يذكر محمّدا -الجواد- إلا بكنيته يقول: كتب إليّ أبو جعفر[23] وكنت أكتب إلى أبي جعفر عليه السلام وهو صبيّ بالمدينة فيخاطبه بالتعظيم وترد كتب أبي جعفر في نهاية البلاغة والحسن، فسمعته يقول أبو جعفر وصيّي وخليفتي من بعدي[24]. هذا مع أنه في ذلك الحين ربما كان عمره خمس أو ست سنوات! وكان يكتب إليه في تفاصيل بعض المسائل، ويبين له ما ينبغي أن يكون عليه من السخاء كسجية آبائه، وألّا يستجيب لما يقوم به بعض المسؤولين والوكلاء من حجب خير المعصومين وبرِّهم عن الناس بدواع مختلفة، فقد وجه له كتابًا قال عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي بأنه قرأه -ولعل الإمام الرضا تعمد أن يريه إياه- وكان فيه: يا أبا جعفر بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير فإنما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحدٌ خيرًا فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلّا من الباب الكبير وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك أحد إلا أعطيته ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين دينارًا والكثير إليك ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة وعشرين دينارًا والكثير إليك إني أريد أن يرفعك الله فأنفق ولا تخش من ذي العرش إقتارًا[25].
--> 23 لا يخفى أن التكنية من الصغر مستحبة، ويلاحظ هنا أن الوالد وهو الإمام الرضا قد كنى الإمام الجواد وهو صغير السن، وكان يخاطبه بكنيته، تقديرا وتوقيرا. 24 إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج ٤، الحر العاملي، ص ٣٨4 25 عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، الشيخ الصدوق، ص ١١