فوزي آل سيف
72
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
لماذا فعل المأمون ذلك؟ أشرنا مرارا في الصفحات الماضية إلى أن جواب أبي الصلت الهروي على سؤال كيف يمكن أن يكون المأمون على ذلك المقدار من العلاقة مع الإمام الرضا ومع ذلك يقدم على قتله؟ هذا لا يكون في رأي بعضهم، فلننظر إلى جواب أبي الصلت مع ملاحظة شأنه ومنزلته: عن أحمد بن علي الأنصاري قال: سألت أبا الصلت الهروي فقلت له كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السلام مع اكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد بعده؟! فقال: إن المأمون إنما كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنه راغبٌ في الدنيا فيسقط محله من نفوسهم فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلا ما ازداد به فضلًا عندهم ومحلًا في نفوسهم جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعًا في أن يقطعه واحدٌ منهم فيسقط محله عند العلماء (وبسببهم) يشتهر نقصه عند العامة فكان لا يكلمه خصمٌ من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ولا خصمٌ من فرق المسلمين المخالفين إلا قطعه وألزمه الحجة وكان الناس يقولون: والله إنه أولى بالخلافة من المأمون وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له وكان الرضا عليه السلام لا يحابي المأمون من حق وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم.[182] 1/ يلاحظ في الحديث أنه قد فرض السائل نفس ما هو في أذهان المترددين أو المنكرين لقتل المأمون الإمام الرضا عليه السلام وهو: اكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد.. 2/ في الجواب: أشار أبو الصلت وهو الرجل العارف بالإمام الراوي عنه والواعي لخطط المأمون بملاحظته تارة وإخبار الإمام أخرى الى أن أحد أغراض المأمون من الضغط على الإمام بل وإكراهه على ولاية العهد، أن يُسقط جانب القدوة في سيرته وسيرة باقي المعصومين، فإن وجوده في ولاية العهد يعيش في القصور ويتقلب في الأطعمة اللذيذة والجواري الجميلة كما هي طريقة المترفين وأصحاب السلاطين لا ريب ستبعد صاحبها عن التعلق بالآخرة، وعندئذ يسقط عن موقعه كداع إلى الله وإمام على الخلق ودليل إلى الجنة! لقد أراد المأمون بهذا أن يقول للناس: إن هؤلاء إنما زهدوا في الدنيا حين زهدت فيهم، وتركوها عندما لم يحصلوا عليها أما وقد حصلوا عليها فسينكبّون عليها ويتمتعون فيها وحينئذ يكون حالهم كحال باقي السلاطين والأمراء ممن أغرتهم الدنيا!
--> 182 الصدوق: عيون أخبار الرضا 2/ ٢٦٥