فوزي آل سيف
67
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
ومن أولئك أحمد بن علي الأنصاري الذي سأل أبا الصلت محمد بن عبد السلام الهروي عن أسباب ذلك، وهو يسأل عن أسباب الاغتيال بعد التسليم عنده وعند الهروي بأن الحادثة تامة وأن القتل ثابت، سأله: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السلام مع اكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد بعده؟! والإجابة على هذا السؤال - والتي سنتعرض لها فيما بعد - تفتح الباب واسعًا أمام فهم الحدث الذي جعل قسمًا من المؤرخين اللاحقين مع أنهم «يروون» رواية سمه إياه لاشتهارها إلا أنهم «يرون» خلافها لعدم قدرتهم على حل السؤال الذي بيّن الهروي جوابه ببيان ممتاز. 3/ ومن تلك القرائن إحساس المأمون العباسي بأن الناس عامة يرون أنه هو الذي قتل الإمام الرضا عليه السلام لاطلاع كثير منهم على الحيثيات والأسباب التي تدعو المأمون لقتل الإمام والتي أشار إليها أبو الصلت الهروي، فإن هؤلاء الناس بحسب معايشتهم لتلك الظروف والأوضاع قد يتعرفون على كل الأسباب أو بعضها، من حيث طبيعة العلاقة وزمان الاغتيال حيث جاء في وقتٍ أصبح وجود الإمام الرضا في ولاية العهد عبئًا عليه لرفض الأسرة العباسية لذلك القرار، وقد استشعر المأمون وجود اتهام عام من قبل الناس له، وصرح بذلك متنصلا من جريمة القتل، فقد نقل أنه ذهب لعيادة الإمام الرضا عليه السلام بعدما سقي السم، «فوقف على الرضا عليه السلام وقد أفاق، فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ؟ فقدي لك وفواتي إياك؟ أو تهمة الناس لي إني اغتلتك وقتلتك؟! قال: فرفع طرفه إليه، ثم قال: أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر عليه السلام ، فإن عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبابتيه. فلما كان من تلك الليلة قُضي عليه بعد ما ذهب من الليل بعضه، فلما أصبح اجتمع الخلق، وقالوا: إن هذا قتله واغتاله يعنون المأمون وقالوا: قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وأكثروا القول والجلبة».[171] ونحن نلاحظ في هذا الخبر: أولا أن المأمون أقر بوجود اتهام من الناس له، وعلى طريقة يكاد المريب أن يقول خذوني حاول أن ينفي هذا الأمر، وأن هناك مصيبتين عظيمتين عليه كما قال؛ فقد الإمام وتهمة الناس إياه! غير أن هذا النفي لم يكن كافيا فبمجرد أن قضى الإمام نحبه اجتمع الخلق، وقالوا: إن هذا قتله واغتاله! كما نلاحظ أن الإمام عليه السلام لم يبرئه من التهمة حين ذكرها المأمون أمامه، وربما كان المأمون يتوقع أن يقول الإمام كلاما ينفي عنه ما ذكره لكن الإمام عليه السلام ما زاد على أن يوصيه بابنه الإمام محمد الجواد عليه السلام ، بل ربما نستفيد من طريقة كلام الإمام اتهاما مبطنا له، وتحذيرا من أن عمْر المأمون مرتبط بعمر ابنه الجواد وأنه سينتهي عندما ينتهي عمر الجواد، فعليه ألّا يقدم على خطيئة اغتياله كما اغتال أبوه، فإذا كان يحب البقاء والاستمرار فلا يقدم على ذلك العمل!
--> 171 الصدوق: عيون أخبار الرضا ٢/٢٧٠