فوزي آل سيف

30

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

إطلالة على بعض أحاديثه عليه السلام سوف نلحظ أن الإمام عليه السلام جاء في فترة تعاظم فيها الاهتمام بالتراث الحديثي في المدرستين؛ فأما بالنسبة لمدرسة أهل البيت فإنها مع قيام الإمام الرضا بدوره العلمي ذاك، يكون قد مر على اهتمامها بالحديث أكثر من 150 سنة، إذا حسبنا من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، سنة 11 ه‍ إلى ما نقل عن تصدي الإمام الرضا عليه السلام للإفتاء والاجابة على الأسئلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو دون العشرين أي نحو سنة 165 ه‍ فقد تجمّع خلال تلك الفترة مخزون علمي كبير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وأحاديث الأئمة من بعده، لا سيما وأنهم - على خلاف ما كان لدى مدرسة الخلفاء - كانوا يؤكدون على نشر الأحاديث ويوصون رواتهم بالكتابة لها والاحتفاظ بها مكتوبة حتى لا يضيع العلم الديني ويندثر. وحتى بالنسبة لمدرسة الخلفاء فإنهم بعدما منعت السلطة الرسمية الحديث ونشره وكتابته بدءا من أوائل أيام الخليفة عمر بن الخطاب (تولى الحكم سنة 13 ه‍) إلى أوائل أيام عمر بن عبد العزيز حوالي سنة 99 ه‍، تم اتخاذ أمر سلطاني يقضي بجمع الأحاديث عن رسول الله،[63] فتحرك الكثيرون في هذا الاتجاه، وفي رد فعل على الاتجاه السابق فقد أعطيت القيمة العليا للأحاديث والروايات، حتى لو كانت مخالفة لما تقتضيه القواعد العقلية، والأصول الثابتة، لا لشيء إلا لأنه روى ذلك الحديثَ ثقةٌ! ولهذا فقد انتشر من الأحاديث ما لا يصح وأصبح يشكل جزءا من عقائد الناس فضلا عن فقههم ومعارفهم العامة. وإننا ننظر إلى بعض أحاديث الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام على أنها تأسيس للمنهج الصحيح في التعامل مع الروايات، وتخطئة للطريقة القائمة والسائدة بين الكثير من المحدثين، فمع الاعتراف بحجية السنة - في ذاتها - وأنها لا تقل في صلاحيتها التشريعية عن آيات القرآن، لكن لا يعني ذلك أن السنة المنقولة بخبر الثقة هي بالضرورة كذلك، فلا بد أن تجتاز النقد السندي والنقد المتني والمضموني، وألّا تعارض ثوابت العقول، ولا محكم الأصول الدينية! سوف نعرض لبعض الأحاديث التي قالها الإمام وأكد عليها، وهي بمثابة المقياس لما ينبغي التعامل به مع السنة. 1/ من الضروري أن يتم التأكد من أن الحديث منقول في ألفاظه بتمام ما له دخل في معناه، وإلا كان أقرب إلى الخطأ وأبعد عن الصواب، ولنأخذ على ذلك بعض الأمثلة: فعن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: للرضا عليه السلام يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس[64] عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا؟ فقال عليه السلام : لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك إنما قال: إن الله تبارك وتعالى يُنزل ملَكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل! يا طالب الشر أقصر فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء، حدثني بذلك أبي عن جدي عن رسول الله عليهم السلام.

--> 63 للتفصيل يراجع سلسلة أحاديثنا حول (سنة النبي). 64 الغالب في هذا التعبير(الناس) في أحاديث المعصومين أن يكون إشارة إلى أتباع مدرسة الخلفاء، وقد ورد هذا الحديث في مصادرها، فمن ذلك حديث أبي هريرة «يَنْزِلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر...» رواه البخاري (7494)، ومسلم (758) والحديث الآخر «إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر...» رواه بأسانيد صحيحة وبألفاظ مختلفة أحمد في المسند (6/191) ورواهما غيرهم في مصادر كثيرة. وهو المعروف عن الحنابلة والسلفية في هذا الزمان بشكل واسع. وبالرغم من أنه قد ورد في الكافي ما يوهم نسبة نزول الله سبحانه إلا أنه في أصل الحديث محتمل للنزول كما هو محتمل للتنزيل، ففي الكافي “فإن ربك ينزل في أول ليلة الجمعة..» والقراءة هنا محتملة للوجهين، والذي يعين ويحدد القراءة هو ما جاء عن الامام الرضا عليه السلام في تكذيب نزول الله سبحانه وأنه من تحريف الكلم عن مواضعه (لفظا أو معنى). وقد يكون تفسيره بما جاء في رواية تفسير القمي 2/ 204 بأنه ينزل أمره كل ليلة جمعة وأمامه ملك ينادي..