فوزي آل سيف

23

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

وسيأتي في موضوع لاحق تفصيل هذه التحديات التي واجهها المأمون، من غضبة الأسرة العباسية بل المجتمع العربي في بغداد والعراق، لقتله أخاه محمدا الأمين وتمكينه العناصر الفارسية ولا سيما الفضل بن سهل وأسرته من مقاليد القرار الرسمي، وكان لا بد من التفكير في مخرج من هذه التحديات، فوصل -وقيل بمشورة الفضل بن سهل - إلى نتيجة أن يستقدم الإمام عليًّا الرضا عليه السلام ويضمه إلى جهازه الحاكم فيصب أهدافا متعددة بضربة واحدة. فهو من جهة سيحرج الحركات العلوية التي ستكون في وجه سيد البيت العلوي، شخصيةً وعلمًا، وبالتالي ستكون في وجه شيعته، ومن الطبيعي أن ينفض هؤلاء عن تأييدها! ومن جهة أخرى سيكون ذلك بمثابة التهديد للأسرة العباسية وأنهم ما لم يمحضوا المأمون ولاءهم فإنه سيتجه بالخلافة والحكومة نحو الأسرة الطالبية العلوية (منافسهم الأصلي). ومن جهة ثالثة فهو سوف يستقطب تأييد (طيبي القلوب وذوي النيات الحسنة) في أنه شخص مختلف عن أسلافهم، وأنه سينظر بعين الإنصاف للأمور. وسيأتي في صفحات لاحقة، تفصيل سياسة المأمون العباسي وغايته من تولية الإمام العهد، وفي المقابل تدبير الإمام عليه السلام ، بعدما رأى أنه لا سبيل له إلا القبول تحت التهديد المبطن بالقتل،[47]فكان أفضل الخيارات بحسب تلك الأوضاع هو القبول الظاهري، مع اشتراط ألّا يتدخل في أمور الحكم من عزل ونصب وإمضاء وتأييد أو إنكار، وفي الأثناء كان يبين الإمام لأصحابه وشيعته بأن (هذا الأمر لا يتم)[48]. وكان الأمر كذلك سواء بحسب الحسابات الغيبية أو حتى الحسابات العادية، فنحن لو نظرنا إلى أن ولادة المأمون كانت في سنة 170 ه‍‍، يعني أنه حين تولى الإمام العهد كان عمره 31 سنة بينما كان الإمام عليه السلام الذي ولد سنة 148 ه‍ عمره في ذلك الوقت 53 سنة، أي أكبر منه سنًّا بأكثر من عشرين سنة، وطبق المنطق الطبيعي للأمور فلا تكون ولاية العهد هذه جادة. إذ لم يعهد في تاريخ الحكومات أن يكون ولي العهد أكبر من الحاكم الأصلي ولا سيما بهذا المقدار الكبير من السنوات. هذا بالإضافة إلى أن قيام المأمون بتهديد الإمام في أول عرضه عليه أن يتولى عهده بأنه إذا لم يقبل سينتهي أمره إلى القتل، يجعل من هذا العرض عرضًا إكراهيًّا لغرض محدد فإذا انقضى ذلك الغرض ينتهي العرض نفسه، وهذا ما حصل بالفعل بعد حوالي سنة وستة أشهر وهي الفترة التي بقي فيها الإمام في ولاية العهد (من 2/ شهر رمضان / 201 ه‍ إلى 7 / صفر / 203 ه‍).

--> 47 الاستشهاد بقضية الشورى.. 48 الصدوق: عيون أخبار الرضا ٢/ ٢١٨؛ في حديث طويل عن اجتماع للإمام مع العلماء والفقهاء بحضور المأمون وإجابات الإمام المدهشة في مختلف المسائل وهو ما أعجب المأمون فقام بمدحه أمامهم ، يقول الحسن بن الجهم: «فلما قام الرضا عليه السلام تبعته فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له: يا بن رسول الله الحمد لله الذي وهب لك من جميل رأي أمير المؤمنين ما حمله على ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك! فقال عليه السلام: يا بن الجهم لا يغرنك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع مني فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم لي! إني أعرف ذلك بعهد معهود إليَّ من آبائي عن رسول الله صلى الله عليه وآله فاكتم هذا ما دمت حيًّا! قال الحسن بن الجهم: فما حدثت أحدا بهذا الحديث إلى أن مضى عليه السلام بطوس مقتولا بالسم!