فوزي آل سيف

109

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

وإذا كانت هذه رواياته في جانب الولاية، ففي الجانب الآخر وهو البراءة واجتناب خطوط الضلال، فلم يقصر في نقل الروايات، فقد سأل الإمام عليه السلام ، عن معنى ما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «من تعلم علما ليماري به السفهاء أو يباهي العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار فقال عليه السلام : صدق جدي عليه السلام أفتدري مَن السفهاء؟ هم قصاص مخالفينا! أو تدري من العلماء؟ هم علماء آل محمد عليهم السلام الذين فرض الله طاعتهم وأوجب مودتهم ثم قال: أو تدري ما معنى قوله: أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟ يعني بذلك ادعاء الإمامة بغير حقها ومن فعل ذلك فهو النار».[264] وكان من أهم صفاته؛ اطلاعه على العلاقة الحقيقية بين المأمون والإمام الرضا وتشخيصه للموقف بشكل دقيق، ولهذا فقد روى عن الإمام الرضا أحاديث كثيرة يشير فيها أنه قد أجبر على قبول ولاية العهد ولم يكن المأمون صادقا في تسليمه إياها، وأن المأمون قد هدد الإمام عليه السلام بالقتل إن لم يقبل.. وقد مر فيما سبق من الصفحات تفصيل ذلك وأكثره مروي عنه. بل كان فهمه واضحا ومستوعبا لطبيعة تلك العلاقة، ويظهر هذا من جوابه المفصل والدقيق لمن سأله: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه ومحبته له وما جعل له من ولاية العهد؟. وقد مر تفصيله في صفحات سابقة. وترك من المؤلفات كتابا عن (وفاة الإمام الرضا) عليه السلام . 1) من الواضح أن اختلاطه بالوضع العام لمّا كان من أصحاب الإمام الرضا ومرافقيه في بعض أحواله وانتقالاته فقد مكّنه من الاطلاع الواسع على القضايا. ويشهد لذلك رواياته المباشرة عن الإمام عليه السلام ، في المسائل المختلفة العقائدية وغيرها، بل حتى في الأمور التي ترتبط بعلاقته بالمأمون. إلى اليوم الأخير الذي تم فيه تسميم الإمام. 2) كذلك يظهر أنه كان على درجة عالية من الذكاء بحيث كان مع تشيعه الشديد وإيمانه المطلق بإمامة الأئمة المعصومين إلا أنه لم يكن يعبر عن ذلك بصورة تفصله عن سائر العلماء والمذاهب الأخرى، ولذلك شكك بعضهم في تشيعه ونسبه إلى التسنن، حتى أنه نقل عن بعضهم[265] أنه يقول بتقديم أبي بكر وأنه يذكر الصحابة بالجميل (وهو مسلك مدرسة الخلفاء). 3) إن الناظر للروايات المائة التي رواها في مختلف الأبواب تشير بما لا يقبل الشك إلى أنه من خواص الشيعة الإمامية ومن كبار علمائهم الذين ائتمنهم الإمام الرضا على المعارف الخاصة التي قد لا يتحملها غيرهم.

--> 264 الصدوق: عيون أخبار الرضا ١/٢٧٥ 265 نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سَيّارٍ قوله فيه: ناظَرْتُهُ لأستَخْرِجَه، فَلَمْ أرَهُ يَغْلُو، ورَأيْتُهُ يُقَدِّمُ أبا بَكْرٍ، ولاَ يَذكُرُ الصَّحابَةَ إلاَّ بِالجَمِيلِ.