السيد محمد باقر الصدر

89

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

في مثل هذه الحالة لا يمكن أن تواصل هذه الدفعة الإلهيّة - المتمثّلة في تلك النبوّة - عملَها ؛ لأنّ الدفعة الإلهيّة لا يمكن أن تواصل عملها بدون مصباحٍ منير ، بدون كتابٍ منيرٍ على ما يصطلح عليه القرآن الكريم « 1 » ، وهذا الكتاب المنير عبارة عن ذاك التراث الفكري والمفاهيمي الذي يمثّل القاعدة للعمل النبوي ، ويمثّل الإطار للحياة التي يقدّمها النبي ويدعو إليها ؛ فإذا ماتت تلك القاعدة وذلك الإطار باضمحلال ذلك التراث ، وبقيت النبوّة مجرّدَ مسألةٍ تاريخيّةٍ لا يوجد لها ( ما بإزاء ) على ما يقول المناطقة - يعني : لا يوجد بالفعل في حياة الناس ما يجسّد مفهوم تلك النبوّة ومنظار تلك النبوّة إلى الحياة - ، ففي مثل ذلك لا بدّ من دفعةٍ جديدةٍ لكي يُستَأنف العمل ، ويُستَأنف الشوط في سبيل إعادة البشريّة إلى ربّها ، وإقامة دعائم العدل والحقّ والتوحيد على وجه الأرض . وأيضاً هذا السبب سببٌ نجده - إلى درجة كبيرةٍ - في المسيحيّة بالذات أيضاً : المسيحيّة بعد أن غادر السيّد المسيح ( عليه السلام ) مسرح الدعوة والعمل لم يبقَ [ منها ] شيءٌ حقيقي يمكن أن يُقام على أساسه العمل النبوي . الإنجيل الذي يُحدّث عنه القرآن « 2 » فُقِد « 3 » نهائيّاً ؛ لأنّ الإنجيل الذي يحدّث عنه القرآن الكريم كتاب انزل على السيّد المسيح ، لا كتاب الّف من قبل طلّاب السيّد المسيح .

--> ( 1 ) كقوله تعالى : جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ آل عمران : 184 ، وقوله تعالى : جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ فاطر : 25 ، وقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ الحج : 8 ، لقمان : 20 . ( 2 ) في قوله تعالى : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ المائدة : 46 . ( 3 ) صوت الشهيد الصدر ( قدّس سرّه ) هنا مشوّش ، ولعلّه : « سقط » ، وفي ( غ ) : « نفد » ، ولكنّه ليس كذلك حتماً ، وما أثبتناه من ( ف ) ، وهو ساقطٌ من ( و ) .