السيد محمد باقر الصدر
73
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
والأهداف والاعتبارات العظيمة ، استنزلها من مستواها الغائم المبهم ، من مستواها الغامض العقلي ، من مستوى النظريّات العموميّة ، أعطاها معالمَ الحسّ التي لا ينفعل الإنسان « 1 » - كما قلنا - بقدر ما ينفعل بها . فبهذا تصبح هذه الصورة المحسوسة التي هبطت على النبي ، على أيّ نبيٍّ من الأنبياء ، تصبح هذه الصورة ملءَ وجوده ، ملء روحه ، ملء كيانه ، تصبح همَّه الشاغل له ، ليله ، نهاره ؛ لأنّها هي أمامه ، هو يراها ، هو يحسّها ، هو يلمسها ويشمّها أروع « 2 » ممّا نلمس ونشمّ ونسمع ونبصر . النبي هو الحسّ المربّي للآخرين : ثمّ هذا الشخص الذي استطاع أن يربّيَه الحسُّ القائم على الوحي يصبح هو حسّاً مربّياً للآخرين ؛ فالآخرون من أبناء البشريّة الذين لم تُتِح لهم ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحسّ ، الذين لم يُتَح لهم هذا الشرف العظيم ، سوف يُتاح لهم الحسّ ، لكن بالشكل غير المباشر ، حسٌّ بالحسّ ، لا حسّ بالحقيقة الإلهيّة مباشرة ، حسٌّ بالمرآة ، الحقيقة الإلهيّة - أقصد من الحقيقة الإلهيّة ، يعني : المُعطى الإلهي ، الثقافة الإلهيّة - الثقافة الإلهيّة انعكست على هذه المرآة ، والآخرون يحسّون بهذه المرآة ، بينما النبي نفسه كان يحسُّ مباشرةً بتلك الثقافة الإلهيّة بما هي أمرٌ حسّي ، لا بما هي أمرٌ نظري . أمّا نحن ، نحسُّ محمّداً ( صلّى الله عليه وآله ) بما هو رجلٌ عظيم ، بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشريّة أنّ هناك اعتباراً وهدفاً فوق كلِّ المصالح والاعتبارات ، فوق كلِّ الأنانيّات ، فوق كلِّ الأمجاد المزيّفة والكرامات المحدودة ، أنّ هناك إنساناً
--> ( 1 ) من المناسب هنا تقديرُ : « بشيءٍ » . ( 2 ) في المحاضرة الصوتيّة : « بأروع » .