السيد محمد باقر الصدر
573
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
وحديث وفقه ، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ، ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والاستنباط . وقد تخرّج من هذه الحلقة عددٌ مهمٌّ من فقهاء المسلمين ، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه ، والأساس لحركته الناشطة . وقد استقطب الإمام عن هذا الطريق الجمهورَ الأعظمَ من القرّاء وحملة الكتاب والسنّة ، حتّى قال سعيد بن المسيّب : « إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليُّ بن الحسين ، فخرج وخرجنا معه ألف راكب » « 1 » . وأمّا الخطر الآخر : فقد نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل ؛ لأنّ موجات الرخاء تُعرِّض أيّ مجتمع إلى خطر الانسياق مع ملذّات الدنيا ، والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة ، وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقيّة والصلة الروحيّة بالله واليوم الآخر وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة ، وهذا ما وقع فعلًا . وتكفي نظرة واحدة في كتاب ( الأغاني ) لأبي الفرج الأصبهاني ليتّضح الحال . وقد أحسّ الإمامُ عليُّ بن الحسين بهذا الخطر وبدأ بعلاجه ، واتّخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج ، وكانت ( الصحيفة السجّاديّة ) - التي بين يديك - من نتائج ذلك ؛ فقد استطاع هذا الإمام العظيم - بما أوتي من بلاغة فريدة ، وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي ، وذهنيّة ربّانيّة تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ، ووجده بخالقه ، وتعلّقه بمبدئه ومعاده ، وتجسيد ما يعبّر عنه ذلك من قيم خلقيّة وحقوق وواجبات - ، أقول : قد استطاع الإمام عليُّ بن الحسين - بما أوتي من هذه المواهب - أن ينشر من خلال الدعاء جوّاً
--> ( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 117 .