تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

83

مباحث الأصول ( القسم الأول )

محلّ البحث ، فلا برهان عليها ، بل ينحصر الأمر في إثبات ذلك بالشرع أو بالوجدان ، بأن يقال مثلًا : إنّنا ندرك مباشرة بالوجدان ثبوت السلطنة فينا ، وإنّنا حينما يتمّ الشوق الأكيد في أنفسنا نحو عمل لا نقدم عليه قهراً ، ولا يدفعنا إليه أحد ، بل نقدم عليه بالسلطنة بناءً على دعوى : أنّ حالة السلطنة من الأمور الموجودة لدى النفس بالعلم الحضوريّ من قبيل حالة الجوع أو العطش ، أو حالة الحبّ أو البغض ، أو بأن يقال : إنّنا كثيراً ما نرى : أنّنا نرجّح بلا مرجّح كما يقال في ( رغيفي الجائع ) و ( طريقي الهارب ) ، فلو كان الفعل لا يصدر إلّابقانون الوجوب بالعلّة ، إذن لبقي جائعاً إلى أن يموت ؛ لعدم المرجّح لأحدهما ، بينما بناءً على قاعدة السلطنة يرجّح أحدهما بلا مرجّح . وإن عرض هذا الكلام على الحكماء ، لقالوا : إنّ المرجّح موجود في علم المولى ، أو بعض الملائكة المدبّرين للُامور ، إلّاأن يقال في مقابل ذلك : إنّ الوجدان يحكم بعدم دخل المرجّح دائماً في تصميماتنا وما يصدر منّا من الأفعال في مقابل بدائله ، فرجع الأمر أيضاً مرّة أخرى إلى الوجدان « 1 » .

--> ( 1 ) الواقع : أنّ الاستشهاد ب ( رغيفي الجائع ) و ( طريقي الهارب ) لو قصدت به البرهنة على الاختيار ، لأمكن ردّه باحتمال وجود المرجّح في علم المولى ، أو بعض الملائكة المدبّرين للُامور ، أو قل : إنّ في الموارد المتعارفة التي اتّفقت في العالم حتّى يومنا هذا من أمثال ( رغيفي الجائع ) و ( طريقي الهارب ) إنّما لم نرَ شخصاً يقف حائراً أمام الأمرين ، بل رأينا دائماً اختياره لأحد الأمرين ؛ لأنّ المرجّح في الواقع كان موجوداً وإن خفي علينا . أمّا لو فرض عدم المرجّح صدفة ، فمن الذي أخبرنا بأ نّه سوف لن يقف حائراً بين الأمرين ؟ ! أمّا لو قصد به تنبيه الوجدان على الاختيار ، فهذا الردّ غير وارد ، فإنّ المقصود بمثل هذه الأمثلة عندئذٍ دعوى : أنّ الوجدان حاكم بأ نّه حتّى لو لم يكن في الواقع ، وفي علم اللَّه ، وفي علم الملائكة ترجيح لأحد الأمرين ، سوف لن يقف الشخص حائراً بين الأمرين ، ومتحمّلًا الجوع ، أو افتراس الأسد ، أو نحو ذلك