تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
78
مباحث الأصول ( القسم الأول )
المجهولة عند المتنبّئ ، ولو أنّه اطّلع على كلّ الخصوصيّات ، لتنبّأ كما يتنبّأ حال الحجر ، وهذا هو عين القول بالجبر . المسلك الرابع : ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ رحمه الله ، حيث إنّه سلّم بالمقدّمة الأولى والثانية معاً ، إلّاأنّه لم يقبل إطلاق المقدّمة الثانية ، وقال بأنّ قوانين العلّيّة لا تشمل الأفعال الاختياريّة للإنسان ، فالإنسان حينما يلتفت إلى عمل ما كالصلاة ، وتنقدح في نفسه الإرادة الجدّيّة الكاملة لا يحصل وجوب وضرورة للصلاة بمعنىً يخرجها عن قدرة الإنسان ، فالنفس حتّى بعد الإرادة يبقى بإمكانها أن تتحرّك نحو الصلاة أو لا تتحرّك ، وحينما تصدر منها الصلاة قد صدر - في الحقيقة - من النفس بعدما تمّت عندها الإرادة عملان طوليّان : أحدهما : فعل خارجيّ وهو الصلاة ، والآخر : فعل نفسانيّ قائم بصقع النفس ، وهو أسبق رتبة من الفعل الخارجيّ ، وهو تأثير النفس وحملتها وإعمالها للقدرة ، فالفعل يوجد بإعمال القدرة والاختيار ، وهذا الفعل النفسانيّ - وهو إعمال القدرة والتحرّك والتأثير - نسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى الفاعل ، لا نسبة العرض إلى محلّه كالإرادة ، وهذه الحملة والتحرّك التي هي فعل نفسانيّ ليست معلولة للإرادة وفقاً لقوانين العلّيّة ، بل النفس بعد الإرادة يبقى بإمكانها أن تتحرّك نحو الفعل وأن لا تتحرّك . وإذا لاحظنا هذين الفعلين نرى أنّهما اختياريان : أمّا فعلها الأوّل وهو توجّه النفس وتأثيرها فهو أمر اختياريّ ؛ إذ لم يتحتّم ولم يصبح وجوده ضروريّاً بالإرادة حتّى يلزم خروجه من الاختيار . وأمّا فعلها الثاني وهو الفعل الخارجيّ كالصلاة ، فهو وإن أصبح ضروريّاً بعد الاختيار لكن هذه الضرورة لا تنافي الاختيار ؛ لأنّها ضرورة نشأت من الاختيار ؛ إذ نشأت من الفعل الأوّل الذي هو عين اختيار النفس وإعمالها لقدرتها ، والضرورة في طول الاختيار لا تنافي الاختيار .