تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
76
مباحث الأصول ( القسم الأول )
وأ نّه لا فائدة فيه بناءً على عدم الاختيار ، فما الذي يدعُو المولى إلى التكليف والخطاب ؟ وعندئذٍ يكفي ما ذكروه لحلّ هذه المشكلة ؛ فإنّ الحركة الناشئة من الإرادة وإن كانت ضروريّة كحركة الأمعاء لكنّها سنخ فعل يمكن التدخّل التشريعيّ فيه ( على خلاف سائر الأمور الضروريّة ) بالتكليف والتخويف بالعقاب ، فمن يشتهي الأكل من الطعام الحرام لو علم بأ نّه يضرب ضرباً أشدّ من لذّة الطعام ، لأحجم عن ذلك ولو بلا اختيار ، بخلاف حركة الأمعاء مثلًا ؛ فإنّه حتّى لو عرف الضرب على تقدير الحركة تبقى الأمعاء تتحرّك . هذا صفوة ما يمكن أن يقال في التعليق على هذا المسلك . المسلك الثاني : يعاكس المسلك الأوّل ، فيسلّم بالمقدّمة الأولى ، وأنّ الضرورة تساوق الاضطرار المنافي للاختيار ، ويناقش في المقدّمة الثانية ، فينكر قوانين العلّيّة ، ويفرض أنّ الشيء ينتقل رأساً من عالم الإمكان إلى عالم الوجود بلا حاجة إلى توسيط الضرورة . ومال إلى هذا المسلك بعض الفلاسفة المتأخّرين من غير المسلمين ، وتخيّلوا : أنّ هذا يساوق الاختيار والحرّيّة ؛ إذ يبقى الفعل ممكناً حتّى حين صدوره . وهذا المسلك حاله حال أصل الشبهة في ارتكاب الخطأ ، فإنّ أصل الشبهة جعلت الضرورة بقول مطلق منافية للاختيار ، وهذا المسلك جعل الإمكان ونفي الضرورة ونفي مبادئ العلّيّة مساوقاً للاختيار ، وكلاهما غير صحيح : أمّا الأوّل : فلأنّ الضرورة إذا كانت في طول الاختيار فهي لا تنافي الاختيار ، وإلّا فهي تنافيه ، وسيأتي - إن شاء اللَّه - الكلام في ذلك . وأمّا الثاني : فلأنّ مجرّد كون الفعل ليس ضروريّاً لا يكفي في كونه اختياريّاً للفاعل ؛ فإنّ إنكار مبادئ العلّيّة معناه - بحسب الحقيقة - التسليم بالصدفة ، ومن الواضح : أنّ الصدفة غير الاختيار ، فلو فرض - محالًا - أنّ الماء غلى بلا علّة وبلا