تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
69
مباحث الأصول ( القسم الأول )
--> - وإنّما يكون الأمر بين الأمرين بهذا المعنى وسطاً بين الجبر بمعنى كون الفعل فعل اللَّه وحده ، وكون الإنسان محلّاً لذلك الفعل كما هو الحال في فعل النجّار في الخشب حينما يصنع منه سريراً مثلًا ، والتفويض بمعنى كون الفعل فعلًا للعبد وحده . وعليه ، فقد تحصّل : أنّ للأمر بين الأمرين معاني ثلاثة : الأوّل : كون الفاعل المباشر هو اللَّه تعالى ، مع افتراض : أنّ الإرادة ومبادئها في العبد مقدّمات إعداديّة لصدور الفعل من اللَّه ، وهذا هو الاحتمال الرابع من الاحتمالات الخمسة المذكورة في المتن . وهذا الوجه باطل بالوجدان المثبت لانتساب الفعل المباشر للإنسان . والثاني : كون الفاعل المباشر هو الإنسان ، والفاعل الطوليّ هو اللَّه سبحانه بإفاضته آناً فآناً الوجود والقدرة للفاعل المباشر . وقد أفاد السيّد الخوئيّ رحمه الله لتشريح فكرة الأمر بين الأمرين بهذا المعنى ، مع فكرتي الجبر والتفويض في مقابل هذه الفكرة مثالًا عرفيّاً يفترق به كلّ من المذاهب الثلاثة عن الآخرين ، فقال : إذا فرضنا أنّ المولى أعطى لعبده سيفاً مع علمه بأ نّه يقتل به نفساً ، فالقتل إذا صدر منه باختياره لا يكون مستنداً إلى المولى بوجه ؛ فإنّه حين صدوره يكون أجنبيّاً عنه بالكلّيّة ، غاية الأمر : أنّه هيّأ بإعطائه السيف مقدّمة إعداديّة من مقدّمات القتل ، وبعد ذلك قد خرج أمر القتل عن اختياره بحيث لو شاء أن لا يقع في الخارج لما تمكّن منه ، وهذا هو واقع التفويض وحقيقته ، كما أنّه إذا شدّ آلة الجرح بيد العبد مع فرض ارتعاش اليد بغير اختيار العبد فأصابت الآلة من جهة الارتعاش نفساً فجرحته ، فالجرح لا يكون صادراً من العبد بإرادته واختياره ، بل هو مقهور عليه في صدوره منه لا محالة ، وهذا هو واقع الجبر وحقيقته ، وإذا فرضنا أنّ يد العبد مشلولة لا يتمكّن من تحريكها إلّامع إيصال الحرارة إليها بالقوّة الكهربائيّة أو بغيرها ،