تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
57
مباحث الأصول ( القسم الأول )
وأمّا على مسلك حكم العقل فالأمر مستعمل في الطلب ، ولا موجب لتخصيصه بالفقيه ؛ إذ لا دليل على عدم الطلب في غير الفقيه ، فيحكم العقل في الفقيه بالوجوب لعدم الترخيص ، وفي غيره بالاستحباب للترخيص ، كما أنّه على مسلك الإطلاق نقول : إنّ مفاد « أكرم العالم » هو الطلب ، ومقتضى إطلاقه هو الوجوب ، وقد سقط الإطلاق في غير الفقهاء ، ولكن أصل الطلب لا موجب لسقوطه . ومنها : أنّه لو كان عندنا أمران ، وعلمنا أنّه ورد الترخيص لأحدهما دون الآخر ، ولم نستطع التعيين ، فبناءً على مسلك الوضع أو الإطلاق يقع التعارض بينهما ويتساقطان ، ولا يثبت الوجوب حتّى لأحدهما على ما يظهر من كلام المشهور في باب تخصيص العامّ بالمخصّص المردّد بين متباينين ، حيث يظهر منهم تساقط العموم في كلا الموردين وعدم ثبوت أحدهما على الاجمال . وأمّا بناءً على مسلك الحكم العقليّ فلا تعارض بين الأمرين ، وإنّما العقل يحكم بالوجوب فيما لم يرد فيه الترخيص ، وبالاستحباب فيما ورد فيه الترخيص ، وحيث لا يعلم أنّ أيّ الأمرين لم يرد فيه الترخيص وأ يّهما ورد فيه يحصل العلم الإجماليّ بوجوب أحدهما . نعم ، على مسلكنا في تخصيص العامّ بالمردّد بين المتباينين من حجّيّته في الآخر على إجماله لا تتمّ هذه الثمرة . ومنها : أنّه بناءً على مسلك الإطلاق بالتقريب الذي ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله : من أنّ الأمر يكون ظاهراً بإطلاقه في الطلب الشديد يثبت بنفس النكتة أعلى مراتب الوجوب ، فلو وقع التزاحم بين واجبين : أحدهما ثبت بأمر لفظيّ ، والآخر بالإجماع ، قدّم دائماً ما يثبت بالأمر اللفظيّ ؛ لأنّ دليله يدلّ على كونه في أعلى مراتب الوجوب بخلاف دليل الآخر ؛ لأنّ احتمال الأهمّيّة يكون في باب التزاحم من المرجّحات ، وهنا لو كان الواجب الثاني أيضاً في أعلى مراتب الوجوب لتساوياً ، وإلّا فالأوّل أهمّ منه ، فقد دخل ذلك في باب احتمال الأهمّيّة .