تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
26
مباحث الأصول ( القسم الأول )
--> - الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة العقليّة : بقي شيء في المقام خارج عن حريم البحث الاصوليّ ، وهو : أنّ الوجوب والاستحباب ، وكذلك الحرمة والكراهة كما يوجدان في حقل الشريعة كذلك يوجدان في حقل العقل العمليّ ، أو الفضائل والرذائل العقليّة ، فربّ شيء يكون حسنا عقلا ولكن لا يجب في منظار العقل فعله ، كالعفو الذي هو حسن عقلا ولكنّه ليس واجبا ، وإلّا لما كان القصاص حقّا . والتفسير الذي حقّقناه للفصل بين الوجوب والاستحباب في حقل الشريعة لا يأتي في حقل الفضائل والرذائل العقليّتين ؛ إذ لا يوجد هنا - ما دمنا مقتصرين في حقل العقل - مولى آمر وراء أنفسنا يطلب منّا شيئا ، ولكن قد يرغب في نفس الوقت في مرخوصيّتنا وحرّيّتنا ، فلا بدّ لنا من تفسير آخر للفرق بين الوجوب والاستحباب في حقل الأحكام العقليّة بعد فرض البناء على مبنى واقعيّة الحسن والقبح العقليّين . فهل نعود إلى التفسير باختلاف الدرجة ونقول : إنّ الحسن الشديد الحسن هو الواجب ، والقبيح الشديد القبح هو الحرام ، وما بينهما متوسّطات ، والوسط الحقيقيّ بينهما يكون مباحا عقلا ، لا يعدّ فضيلة ولا رذيلة ، فكأنّ لدينا سلّما واحدا وقع في الدرج الأسفل النهائيّ منه أشدّ الرذائل المحرّمة ، وفي الدرج الأعلى النهائيّ منه أشدّ الفضائل الواجبة ، وبينهما متوسّطات يخفّ قبحها أو حسنها بمقدار بعدها عن أحد القطبين ، ويكون الوسط الحقيقيّ في هذا السلّم هو رفّ المباحات ؟ ! إنّ هذا التفسير يشتمل على بعض المفارقات من قبيل : 1 - إنّنا لا نمتلك حدّا مشخّصا لفصل الواجبات عن المستحبّات . فيا ترى هل يفترض -