تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
103
مباحث الأصول ( القسم الأول )
بقي هنا أمران : الأمر الأوّل : أنّ صيغة « افعل » ذكروا لها معاني عديدة : كالطلب والتعجيز والتسخير والاستهزاء ونحوها ، والمعروف بين المحقّقين المتأخّرين أنّ الاختلاف إنّما هو في دواعي الاستعمال ، أي : في المداليل التصديقيّة ، وأمّا المدلول الوضعيّ المستعمل فيه الصيغة فهو واحد في الجميع ، وهو النسبة الإرساليّة مثلًا ، إلّاأنّ السيّد الأستاذ - دامت بركاته - جرياً على مبناه القائل بأنّ المدلول الوضعيّ والمستعمل فيه اللفظ إنّما هو المعنى التصديقيّ افترض لصيغة الأمر معاني عديدة « 1 » ؛ بداهة تباين تلك المداليل التصديقيّة فيما بينها . وهذا الكلام مضافاً إلى خطأ مبناه يؤدّي إلى نتيجة غريبة ، وتوضيح ذلك : أنّ صيغة الأمر حينما يقصد بها مثل التعجيز والاستهزاء كما لو قال : « طِر إلى السماء » بقصد إظهار عجزه ، أو قال للفقير : « اشتر قصراً » بقصد الاستهزاء به ، فمن الواضح : أنّ هذا التعجيز أو الاستهزاء لا يكون مرتبطاً بالمادّة ابتداءً ، فإنّ إظهار العجز لا يكون بنفس الطيران ، ولو طار لما كان عاجزاً ، والاستهزاء لا يكون بنفس شراء القصر ، ولو اشتراه لما استُهزئ به ، فلالتصاق الهيئة بالمادّة دخل في فهم التعجيز أو الاستهزاء . وعليه نقول : إنّ تفسير نكتة فهم مثل التعجيز أو الاستهزاء واضح بناءً على المبنى المتعارف بين الأصحاب ؛ لأنّ الصيغة تدلّ عندهم حتّى في مثل مورد التعجيز والاستهزاء على الأمر والطلب ؛ لأنّ المدلول التصوّريّ المستعمل فيه اللفظ في الجميع واحد ، وحينئذٍ يكون الأمر بالطيران نكتة لإظهار عجزه ؛ إذ لا يستطيع أن يمتثل ، والأمر بشراء القصر نكتة للاستهزاء به . وأمّا على مبنى السيّد
--> ( 1 ) ولو بأن يكون أحدها حقيقة والباقي مجازاً . راجع محاضرات الفيّاض ، ج 2 ، ص 143