ابن أبي أصيبعة

48

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

العلمي « 1 » . . وكان المترجمون في العادة يجيدون اللغة التي ينقلون عنها إجادتهم للغة التي ينقلون إليها مع إلمامهم التام بموضوعات ترجماتهم وكان أغلبهم يلتزمون الدقة ويتوخون الأمانة فيما ينقلون . فكانوا في العادة يحرصون على أن تكون تحت أيديهم نسخ الأصل الذي ينقلون عنه وترجماتها في غير العربية - السريانية - ليقابلوا بين بعضهما والبعض الآخر . وكانوا يقسمون الجمل إلى بنود وفصول وفقرات حتى يتيسر نقل معانيها إلى العربية في وضوح لا يحتمل اللبس كما كان يفعل ابن الأشعث فيما يرى ابن أبي أصيبعة ، وشروحهم للأصل تشهد بأنهم كانوا على إلمام دقيق بالتعبيرات الدارجة والمصطلحات المألوفة في اللغة التي ينقلون عنها ، وإن بدا أن بعض المترجمين كانوا على عكس هذا يتوخون الترجمة الحرفية . وقد أدى اختلاف التراكيب في اللغات وعدم تكافؤ الألفاظ فيها إلى غموض المعاني في الترجمة العربية أحيانا ، ولكن أكثر الترجمات التي جرى أصحابها على هذا النهج قد قام مترجمون ممتازون بإصلاحها أو إعادة ترجمتها . وإذا كان ابن البطريق مثلا قد تصدى للترجمة عن اليونانية وهو لا يجيدها برغم تمكنه من اللاتينية فإن حنين بن إسحاق قد نهض بإصلاح أو إعادة ترجمة ابن البطريق من مؤلفات جالينوس . بل كان حنين يعيد ترجمة ما سبق له أن نقله إلى العربية في صباه ، وفعل في ترجمات « اصطفان بن باسيل » مثل ما فعل في ترجمات « ابن البطريق » وقد مكنه من ذلك أنه أي حنين كان يجيد ثلاث لغات غير - العربية - هي الفارسية واليونانية والسريانية ، وكان حنين بشهادة المؤرخين جيد الأسلوب واضح المعنى . وقد كان يستعمل المصطلحات العلمية بألفاظها الأجنبية - وقد أباح ذلك مجمع اللغة ( العربية ) بالقاهرة في أيامنا الحاضرة - لكنه كان يتبعها بشرح معناها حتى يتحدد مدلول الكلمة في العربية . وكان حنين ومدرسته خير من يمثل الثقافة اليونانية وخير من قدمها إلى قراء العربية . ولا شك عندنا أن حنين بن إسحاق يعد واحدا من أنجب وأدق المترجمين في كل العصور . وسنتناول في المبحث التالي بعض جهوده العلمية وبخاصة في مجال طب العيون . * * *

--> ( 1 ) توفيق الطويل : في تراثنا العربي والإسلامي ص 76 .